ماكرون ولودريان... ثنائي المبادرات الفاشلة في لبنان
ماكرون ولودريان... ثنائي المبادرات الفاشلة في لبنان
يعود لودريان اليوم إلى لبنان. السؤال لم يعد: هل سينجح ؟ بل هل ما زال لأي نفوذ فرنسي مكان في لبنان الذي تجاوز كل المبادرات التقليدية؟
يعود الموفد الفرنسي جان إيف لودريان إلى لبنان وبيديَه ملفَي «ما بعد اليونيفيل» وتثبيت وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، إلّا أنّ المسؤولين اللبنانيّين اعتادوا على لقاء لودريان، وهم «يدرون» تماماً أنّ لقاء أي مسؤولٍ فرنسي لن يحقّق أي نتيجة. منذ استلام إيمانيول ماكرون رئاسة الجمهوريّة الفرنسيّة في أيار ٢٠١٧، وهو يحاول إعادة تموضع وتحسين علاقات فرنسا مع «مستعمراتها» السابقة.
حاول ماكرون خاصةً، منذ ٩ سنوات، عادة «فرنسا الأم» إلى لبنان والتأثير سياسيّاً، عوضاً عن التأثير الثقافي فحسب، واستغل حادثة استقالة رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري من المملكة العربيّة السعوديّة في تشرين الثاني ٢٠١٧، التي سُميّت بأزمة «الريتز كارلتون» ممّا اعتبرها كثيرون أنّها نتيجة ضغطٍ سعودي وأنّ كتاب الاستقالة «كُتِبَ في الرياض وليس في بيروت». تدخّل ماكرون مقدّماً نفسه كأنّه «منقذاً للأزمة»، وقام بدور الوساطة بين السعوديّين واللبنانيّين، حتى خرج الحريري من الرياض متوجّهاً إلى باريس قبل العودة إلى بيروت عشيّة ذكرى الاستقلال.
بعد هذه الحادثة، ماكرون وموفدوه حاولوا مراراً وتكراراً إحداث خرق من دون جدوى، فما هي محاولات ماكرون في لبنان التي اعتُبرت بأنّها فشلت وإلى مدى لا يزال اللبنانيّون يثقون بأي تأثير إيجابي فرنسي على ساحة الشرق الأوسط؟
بعد انفجار مرفأ بيروت في ٤ آب ٢٠٢٠، وصل ماركون إلى لبنان كأنّه «المنقذ»، معلناً عن دعم فرنسا المطلق للبنان وشعبه واعداً بالضغط على الطبقة السياسيّة لتشكيل حكومة إصلاحيّة. فوُلِدَت «المبادرة الفرنسيّة» مع تشكيل خليّة أزمة مؤلّفة من دبلوماسيّين كبار منهم لودريان وبرنارد إيمييه وإيمانويل بون وباتريك دوريل. إلّا أنّ هذا الزخم الذي شعر به اللبنانيّون سرعان خفت حين بدأت الشكوك بنوايا ماكرون لحظة لقائه رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد في ٦ آب. حينها حاولت فرنسا الضغط نحو تشكيل الحكومة عبر مصطفى أديب وعبر الحريري مجدّداً، إلّا أنّهما فَشِلا بتشكيل أي حكومة. وسقطت هنا رسميّاً «المبادرة الفرنسيّة».
بعد انتهاء «ميشال عون الأول» في العام ٢٠٢٢، دخل لبنان بفراغٍ رئاسيّ طويل حاولت خلاله فرنسا تحقيق خرقٍ معيّن، وقام لودريان بزيارات متقطّعة الى لبنان، لكن كل هذه الزيارات والمبادرات لم تحقّق أياً من أهدافها، وبقيَ لبنان من دون رئيس حتى ٩ كانون الثاني ٢٠٢٥، بعد ضغطٍ أميركي – سعوديّ، وكانت فرنسا ماكرون على قائمة المهنّئين لا المبادرين، حتى ولو لعبت دوراً محدوداً ضمن اللجنة الخماسيّة.
أما فيما يتعلق بمبادرة المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في آذار الماضي، فقد عرض ماكرون استضافة المفاوضات في فرنسا، لكنها تنعقد اليوم في واشنطن.
مبادرات عديدة، يحاول الفرنسيّون من خلالها العودة إلى الساحة اللبنانيّة، وعبرها إلى الشرق الأوسط بأكمله. واليوم يعود لودريان إلى لبنان مع مبادراته، فيما التأثير الحقيقي ليس بيد باريس، بل بيد واشنطن والرياض وإيران. السؤال إذن لم يعد حول قدرة فرنسا ماكرون على النجاح، بل حول مدى استمرار أي تأثير لها في سياق لبناني تجاوز المبادرات الفرنسية التقليدية.

