ترامب.. الحليف غير المستقر

ترامب.. الحليف غير المستقر

  • ٠٥ حزيران ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

يعامل ترامب السياسة الخارجية بعقلية رجل الأعمال الذي يدير شركة ضخمة، حيث يمكن تبديل القرارات أو تعديل الاستراتيجيات بين ليلة وضحاها إذا رأى مصلحة آنية في ذلك.

في عالم السياسة الدولية، تُبنى التحالفات على الثقة والقدرة على التنبؤ بالقرارات قبل أي شيء آخر. فالدول لا تبحث فقط عن حليف قوي، بل عن حليف ثابت يمكن الاعتماد عليه في الأزمات والحروب. ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو رئاسة دونالد ترامب مصدر قلق متزايد حتى لأقرب شركاء الولايات المتحدة، بعدما تحولت مواقفه المتقلبة إلى عامل إرباك لحلفائه قبل خصومه.

يعامل ترامب السياسة الخارجية بعقلية رجل الأعمال الذي يدير شركة ضخمة، حيث يمكن تبديل القرارات أو تعديل الاستراتيجيات بين ليلة وضحاها إذا رأى مصلحة آنية في ذلك. إلا أنّ الحروب والصراعات الدولية لا تُدار بهذه الطريقة، لأنّها ترتبط بحسابات أمنية وعسكرية طويلة الأمد تحتاج إلى وضوح وثبات في المواقف. وما يصلح في عالم الصفقات التجارية لا ينجح بالضرورة في عالم الجيوسياسة.

في المواجهة مع إيران، أعلن ترامب عن وقف لإطلاق النار قُدِّم على أنّه إنجاز دبلوماسي كبير، إلا أنّ ذلك لم يبدّد المخاوف الإقليمية، خصوصاً مع استمرار التهديدات الأمنية التي طالت دول الخليج. وبدلاً من ترسيخ صورة الولايات المتحدة كقوة حاسمة، بدا المشهد وكأنّ واشنطن تبحث عن حلول مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة، الأمر الذي دفع العديد من العواصم الحليفة إلى التساؤل عن مدى التزام الإدارة الأميركية بأمن المنطقة على المدى الطويل.

أما في أوكرانيا، فقد أثار تقليص الدعم الأميركي مخاوف عميقة داخل أوروبا. فالقارة التي اعتمدت لعقود على المظلة الأمنية الأميركية بدأت تطرح أسئلة جدية حول مستقبل هذه الشراكة إذا أصبحت مرتبطة بتقلبات الرئيس الأميركي ومزاجه السياسي. ولذلك شهدت الأشهر الأخيرة تسارعاً في النقاشات الأوروبية حول تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية وتقليل الاعتماد على واشنطن.

وفي الشرق الأوسط، تركت الضغوط الأميركية المتكررة على إسرائيل خلال حربها مع حزب الله انطباعاً سلبياً لدى جزء من الرأي العام الإسرائيلي والقوى السياسية اليمينية. فالكثيرون هناك رأوا أنّ واشنطن منعت تل أبيب من الذهاب إلى النهاية في معركتها، ما ولّد حالة من الاستياء تجاه إدارة ترامب رغم استمرار التحالف الاستراتيجي بين البلدين.

كما أنّ انفتاح ترامب على الحوار مع الصين أثار قلقاً متزايداً لدى حلفاء الولايات المتحدة في شرق آسيا. فتايوان واليابان وكوريا الجنوبية تراقب بحذر أي تقارب أميركي ـ صيني، خشية أن تتحول مصالحها الأمنية إلى أوراق تفاوض ضمن صفقة أكبر بين القوتين العظميين.

والمفارقة أنّ هذا التردد لم يُقنع الخصوم أيضاً. فإيران وروسيا والصين لا تنظر إلى هذه السياسة باعتبارها مرونة دبلوماسية، بل تعتبرها مؤشراً على ضعف الإرادة السياسية وعدم الرغبة في خوض مواجهات طويلة ومكلفة. وهكذا يجد ترامب نفسه في موقع نادر؛ حلفاء يشككون في ثباته، وخصوم يعتقدون أنّ بإمكانهم اختبار حدوده، لتصبح أكبر معضلة تواجه الولايات المتحدة اليوم هي استعادة صورة الحليف الذي يمكن التنبؤ بقراراته والاعتماد عليه في الأوقات الصعبة.