«حلفاء» تخلوا عن «حزب الله».. ونَجَوا بأنفسهم
«حلفاء» تخلوا عن «حزب الله».. ونَجَوا بأنفسهم
معظم «الحلفاء القدامى» براغماتيون، وقد فهموا أنّ ما يجري إحتمال مفتوح على الخسارة. لذلك، لم يعد الوقوف مع الحزب هو الأساس، بل كيفية النجاة بأنفسهم إلى مسافة آمنة..
في لحظة الحرب الوجودية التي يخوضها حزب الله، لا يعود الصمت السياسي مجرد غياب عن المشهد، بل يتحول إلى عنصر من عناصره. فحين تشتد المواجهة، يصبح غياب الحلفاء «القدامى» موقفاً بحد ذاته، حتى وإن جرى تغليف مواقفهم بعبارات مألوفة من نوع «التهدئة»، «ضبط النفس»، «القلق من التصعيد»، أو «متابعة التطورات». هذه كلها صيغ أنيقة لشيء واحد، وهو الابتعاد عن الحافة قبل أن يوقعهم «حزب الله» معه فيها.
تدور اليوم المواجهة بين الحزب وإسرائيل في سياق إقليمي مفتوح على الاحتمالات، فيما الدولة اللبنانية تنخرط، في الوقت نفسه، في مسار تفاوضي مباشر برعاية أميركية، لكأنّ البلد موزّع بين جبهتين، واحدة تُدار بالنار، وأخرى تُدار بالورق والكلام. وبين الجبهتين، يتقدم سؤال قديم بصيغة جديدة: أين هم حلفاء حزب الله؟
سؤال يبدو بسيطاً، لكنه في الواقع أقرب إلى جردة حساب لدفتر امتلأ خلال السنوات الماضية بالتحالفات العلنية، والتقاط الصور، والخطابات التي كانت تتحدث بثقة عن «المصير المشترك» و«وحدة المسار» و«التحالفات الاستراتيجية التي لا تهتز». اليوم، لا تهتز هذه التحالفات فقط، بل تبدو وكأنّها تبخرت بشكل كامل.
جبران باسيل، على سبيل المثال، لا يزال يمارس هوايته الأساسية: إدارة التوازن بين ما كان وما قد يكون. التحالفات في قاموسه ليست مواقف بل أصول قابلة للتداول، ترتفع قيمتها حين تهدأ الجبهات، وتنخفض حين يعلو الدخان وصوت الرصاص. «وداعاً» للحلف القديم و «تفاهم مار مخايل» وكل التبريرات التي تكلمت لسنوات طويلة عن هذا التحالف الثنائي. في هذه اللحظة، تبدو الأولوية، عند باسيل، لسلامة مساره السياسي الشخصي، وليس للمعارك الكبرى.
في المقلب الآخر، تبدو معظم القوى السنيّة التي كانت حاضرة في مشهد «التقاطع السياسي» مع حزب الله، وكأنّها عادت إلى وظيفتها التقليدية، وهي البحث عن غطاء عربي لممارسة السياسة تحته. خطاب النائب فيصل كرامي بات يشبه خطاب جاره أشرف ريفي، وكليهما يشبهان خطاب القطيعة التامة مع حزب الله. المسافة السياسية والرمزية بين معظم القوى السنية والحزب تتزايد يوماً بعد يوم، فحتى حلفاء الأمس يُبدون قدرة لافتة على التكيّف مع مرحلة «ما بعد حزب الله».
طلال أرسلان، كما في معظم المحطات، حاضر بقدر ما هو غائب، كأنّه جزء من المشهد دون أن يكون مضطراً لتحمل كلفته اليومية. أما وليد جنبلاط، فيواصل أداء دوره التقليدي في السياسة اللبنانية عبر الوقوف الدائم على تخوم التناقضات، مع قدرة نادرة على تحويل التناقض إلى مساحة حركة، لا إلى ورطة نهائية. لا هو مع الحزب ولا هو ضده، بل يميل مع الريح كيفما هبّت، فيما الريح لا تجري اليوم إلا كما تشتهي سفن إسرائيل.
وإذا كان المشهد يحتاج إلى مثال أكثر حدة على تحوّل الأولويات، فلا حاجة للابتعاد كثيراً. وئام وهاب، الذي اعتاد أن يكون صوته جزءاً من الضجيج السياسي اللبناني، يبدو اليوم وكأنّ بوصلته انزلقت كثيراً نحو الجنوب السوري، حيث دروز السويداء يشغلون حيّزاً من اهتمامه يفوق بكثير ما يجري داخل الحدود اللبنانية أو ما يتعرض له حزب الله.
وفي زاوية أخرى من المشهد، يظهر قسم لا بأس به من اليسار اللبناني، أو ما تبقى منه على الأقل، وقد انسحب بهدوء من دائرة «التحالفات الكبرى». شيوعيون سابقون أو متعاطفون قدامى مع فكرة «المحور» باتوا اليوم أقرب إلى موقع المتفرج البارد، غير المعني كثيراً بمغامرات الحزب ولا بتفاصيل الاصطفافات الجديدة. التحالف الذي كان يُقدَّم يوماً بوصفه امتداداً طبيعياً لصراع عالمي «ضد الاستكبار الأميركي»، أصبح اليوم عند كثيرين مجرد ملف قديم لا يستحق إعادة الفتح.
في السياق نفسه، لا يمكن إغفال موقع حركة أمل ورئيس مجلس النواب نبيه بري، بوصفه أحد أكثر العناصر تعقيداً وتشابكاً داخل المعادلة الشيعية. غير أنّ الرجل، وفي خضم الحرب، يبدو وكأنّه يتحرك على إيقاع هادئ ومدروس، ويوسّع المسافة مع حزب الله يوماً بعد يوم. فالشراكة التاريخية بين الطرفين لم تُترجم إلى اصطفاف تلقائي أو اندفاعة سياسية صلبة من الحركة خلف الحزب، بل على العكس، باتت بعض الأصوات الأكثر تحفظاً حيال مغامراته تُسمع بوضوح داخل البيئة «الحركية» نفسها.
في هذا المشهد المتشظي، لا يبقى من «الحلفاء» إلا ما يشبه الأثر. صورة قديمة في أرشيف سياسي واسع تظهر عند الحاجة، ثم تُعاد إلى مكانها. وحده سليمان فرنجية، رئيس تيار المردة، يبدو كأنّه ما زال يحتفظ بموقع «الحليف الثابت» في المعادلة، وإن كان هذا الثبات نفسه أشبه بإقامة رمزية أكثر منه شراكة فعلية قادرة على التأثير في مجرى الأحداث. حليف حاضر في العنوان، لكنه غائب إلى حد كبير عن القدرة على الفعل، وكأنّ العلاقة نفسها تحوّلت إلى إعلان ولاء من طرف واحد، لا تغيّر في ميزان القوة شيئاً، ولا تضيف إلى المشهد سوى طمأنينة شكلية لا أكثر.
في المحصلة، يبدو أنّ معظم «الحلفاء القدامى» براغماتيون إلى حد بعيد، وقد فهموا، بوضوح أو بحدس سياسي صامت، أنّ ميزان الحرب الحالية لا يترك كثيراً من الهوامش، وأنّ ما يجري لا يُدار بمنطق المبادئ بقدر ما يُدار بمنطق الاحتمال المفتوح على الخسارة. لذلك، لم يعد السؤال حول الوقوف مع الحزب هو الأساس، بل عن كيفية الخروج بأقل قدر ممكن من الخسارة. بهذا المعنى، لا يظهر هؤلاء كمن تخلى عن حزب الله بقدر ما يظهرون كمن يحاولون النجاة بأنفسهم إلى مسافة آمنة من حرب يعرف الجميع، في قرارة أنفسهم، أنّ هامش ربح حزب الله فيها ضيق جداً.

