من بيروت الى الشمال.. القليعات من مطار مؤجل الى رهان إقتصادي

من بيروت الى الشمال.. القليعات من مطار مؤجل الى رهان إقتصادي

  • ٠٥ حزيران ٢٠٢٦
  • ناتالي أبو حرب

إطلاق رسمي غداً لمشروع تأهيل مطار القليعات، وبداية إختبار لقدرة لبنان على إعادة تشغيل دولته وإعادة رسم خرائط قوته الاقتصادية.

يشكّل يوم غد محطة مفصلية في مسار البنية التحتية في لبنان، مع الإطلاق الرسمي لمشروع تطوير وتشغيل مطار رينيه معوض - القليعات في الشمال، في خطوة يُنظر إليها كأكثر من مجرد افتتاح منشأة جديدة، بل كبداية محتملة لتحوّل في طريقة إدارة الدولة لمرافقها الحيوية بعد سنوات طويلة من التعطيل والتأجيل.

 

هذا المشروع الذي تعود جذوره إلى أكثر من ثمانية عقود، حين أُنشئ المطار عام١٩٤١ خلال الحرب العالمية الثانية كموقع عسكري، ظلّ متنقلاً بين الاستخدامات العسكرية والمدنية المحدودة من دون أن يصل إلى تشغيل مدني مستقرومع تحوّله لاحقاً إلى قاعدة للجيش اللبناني منذ ستينيات القرن الماضي، بقي ملف إعادة إحيائه مطروحاً على طاولة الحكومات المتعاقبة، لكنه لم يترجم إلى تنفيذ فعلي بسبب التعقيدات السياسية والأمنية والمالية التي رافقت كل مرحلة من مراحل تاريخ لبنان الحديث.

 

اليوم، يعود الملف إلى الواجهة ضمن سياق مختلف تقوده الحكومة الحالية برئاسة نواف سلام، الذي يضع إعادة تشغيل المرافق الاستراتيجية ضمن أولويات مقاربة الإنقاذ الاقتصادي، إلى جانب وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني الذي تولّى الدفع العملي نحو تحويل الفكرة إلى مشروع قابل للتنفيذ عبر إطلاق مسار المزايدة والتلزيم، وصولاً إلى إسناد التشغيل إلى شركة «سكاي لاونج». هذا الانتقال من الطرح النظري إلى القرار التنفيذي يشكّل بحد ذاته نقطة تحوّل في مسار ملف بقي مجمداً لعقود.

 

أهمية مطار القليعات لا تنبع فقط من كونه مطاراً ثانياً للبنان، بل من كونه مدخلاً لإعادة تشكيل الخريطة التشغيلية للبلادفلبنان الذي يعتمد بشكل شبه كامل على مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، وجد نفسه في حالة «مركزية حادة» جعلت أي ضغط أمني أو سياسي أو لوجستي يتحول مباشرة إلى أزمة وطنيةلذلك، فإنّ وجود منفذ جوي إضافي في الشمال يعيد توزيع المخاطر ويمنح الدولة قدرة أكبر على الاستمرار في العمل حتى في ظروف غير مستقرة.

 

في البعد الاقتصادي، يُنظر إلى المشروع كفرصة نادرة لإعادة تحريك شمال لبنان، خصوصاً محافظة عكار التي تعاني من ضعف مزمن في التنميةتشغيل المطار يعني خلق منظومة اقتصادية جديدة تشمل النقل الجوي والخدمات الأرضية والسياحة والشحن والصيانة، إضافة إلى تعزيز الربط مع مرفأ طرابلس والمنطقة الاقتصادية الخاصة، ما قد يفتح الباب أمام نشوء محور اقتصادي جديد خارج بيروت.

 

أما على المستوى الاستراتيجي، فيحمل المشروع بُعداً سيادياً واضحاً، إذ يرتبط بمسألة إدارة المعابر الحيوية وتخفيف الاعتماد على نقطة واحدة في حركة البلاد الجويةوهذا ما يجعله جزءاً من نقاش أوسع حول توازن الدولة وقدرتها على تنويع بنيتها التحتية الحساسة.

 

ورغم أنّ الطريق نحو التشغيل الكامل ما زال يحتاج إلى مراحل تقنية وتمويلية قد تمتد حتى عام ٢٠٢٧، إلا أنّ إطلاق المشروع في حد ذاته يُعدّ إشارة سياسية واقتصادية على بداية مقاربة مختلفة، عنوانها الانتقال من مشاريع مؤجلة إلى مشاريع قابلة للتنفيذ.

 

فلا يُنظر إلى مطار القليعات كافتتاح تقني، بل كبداية اختبار حقيقية لقدرة لبنان على استعادة بنيته التشغيلية وإعادة توزيع مركزه الاقتصادي والجغرافي، في لحظة يحتاج فيها البلد إلى أكثر من مجرد حلول مؤقتة.