حافظ الأسد.. ثلاثون عاماً في صناعة الخوف وتوظيف الأكاذيب
حافظ الأسد.. ثلاثون عاماً في صناعة الخوف وتوظيف الأكاذيب
ثلاثة عقود من الحكم، لم يترك حافظ الأسد لسوريا إلا سجون ومؤسسات منهكة، وللبنان وصاية قامت على التلاعب والهيمنة.
في العاشر من حزيران عام ألفين، مات حافظ الأسد. وكما عاش بالخوف، دُفن بالخوف. بكاه من بكاه لأنّ البديل كان السجن، ومجّده من مجّده لأنّ الصمت كان أرخص من الحقيقة. لم يكن موته نهاية عهد كان توريثاً لنظام بناه حجراً حجراً على جماجم السوريين، ونقله إلى ابنه كما تُنقل الإقطاعيات في زمن البرابرة.
ثلاثة عقود في السلطة لم تبنِ دولة، بنت سجناً كبيراً سمّوه جمهورية. نظام قائم على المخابرات والمحاصصة والرعب المُنظَّم، تتشابك فيه الأجهزة الأمنية كشبكة عنكبوت لا مخرج منها. كان في سوريا أكثر من خمس عشرة جهاز استخباراتي، لا لحماية البلاد من الأعداء، بل لمراقبة المواطن السوري في بيته وعمله ومدرسته. السوريون لم يكونوا مواطنين في عهده، كانوا رعايا يعيشون بإذن، ويتكلمون بإذن، ويختفون بلا إذن ولا أثر. ومجزرة حماة عام إثنين وثمانين خير شاهد حين رفضت المدينة، أرسل الأسد الجيش والجرافات، وطمر تحت الأنقاض ما بين عشرين وأربعين ألف إنسان. لم يحاسَب أحد. لم يُفتح تحقيق. لأنّ المحاسبة في قاموس الأسد كانت تعني الاعتراف بأنّ ثمة من يملك حق المساءلة.
أما لبنان، فكان مسرحاً آخر لعبقريته في الخداع. خلال الحرب الأهلية، أطلق تنظيم الصاعقة، ذراعه الفلسطينية المسلّحة، ليقاتل داخل الساحة اللبنانية بأوامر سورية صافية. قتل التنظيم المسيحيين في أكثر من معركة، بينما خرج الأسد بعباءة الحامي والضامن للوجود المسيحي في لبنان. أوهم قادة موارنة بأنّه الجدار الذي يحميهم، فيما كانت يده الأخرى تمسك السكين. كان يلعب على كل الحبال في آنٍ واحد، ولا يخجل من التناقض لأنّ التناقض كان أداة من أدواته.
وفي الثمانينيات والتسعينيات، فتح الأسد أبواب دمشق لعبدالله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني. آواه ومنحه الملاذ الآمن، وأقام له معسكرات تدريب في البقاع اللبناني الخاضع للنفوذ السوري، وأمدّه بالسلاح والغطاء السياسي. لم يكن ذلك نصرة للأكراد أو دفاعاً عن حقوقهم المسلوبة، بل كان ورقة ضغط باردة يلوّح بها في وجه أنقرة كلما احتاج. وحين صعّدت تركيا لهجتها عام ثمانية وتسعين وهدّدت بعمل عسكري، تراجع الأسد فوراً دون أدنى تردد. طرد أوجلان، أغلق المعسكرات، وتخلّى بشخطة قلم عمّن استخدم دمه لسنوات. هكذا كانت مبادئ الأسد لا مبادئ، بل حسابات.
وجاءت حرب الخليج الأولى عام تسعين وتسعمئة وألف لتكشف وجهاً آخر من وجوه هذا النظام الانتهازي. انضم الأسد إلى التحالف الدولي بقيادة واشنطن لمحاربة صدام حسين، هو الذي قضى عقوداً يصرخ بعداء أمريكا والإمبريالية من فوق كل منبر. لم يكن تحولاً مبدئياً، بل كان صفقة مكشوفة، ثمنها أنّ تغضّ واشنطن الطرف عن الوصاية السورية الكاملة على لبنان. وبينما كانت القوات الأميركية تحرّر الكويت، كانت المخابرات السورية تُحكم قبضتها على بيروت وتُوزّع الحقائب الوزارية وتقرّر من يحكم ومن يُقصى. تحوّلت دمشق إلى اللاعب الأول في القرار اللبناني وسط صمت دولي مدفوع الثمن، استمر حتى اغتيال رفيق الحريري عام خمسة وألفين حين انفجر كل شيء.
مات حافظ الأسد. لكن السوريين لم ينسوا ما فعله بهم، ولن ينسوا. ترك خلفه شعباً مكسوراً ومؤسسات مجوّفة وابناً ورّثه السلطة كما يُورَّث العرش. وحين قام السوريون عام ٢٠١١ ليقولوا كلمتهم، واجههم النظام بنفس الأدوات التي استخدمها الأب؛ الرصاص والبراميل والتهجير.
ذكرى حافظ الأسد ليست مناسبة للحزن. هي مناسبة لتسمية الأشياء بأسمائها. حكم بالدم، وبنى بالدم، وورّث الدم. وإن كان التاريخ يحكم بالعدل، فحكمه على الأسد لن يكون رحيماً.

