نبيه بري... زمن الإبل والناقة
نبيه بري... زمن الإبل والناقة
السياسي الذي يخشى أزمة مع حلفائه، أو اعتراضاً داخل بيئته، أو اتهاماً بالتنازل، فإنّه يلجأ إلى الرموز، والأمثال، والكلمات التي تشبه الضباب
في حشرة الأخبار القادمة من واشنطن، لم يجد رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، شيئاً ليقوله سوى التفلسف بجملة منسية عمرها ١٤ قرناً.
وقف بري أمام اللبنانيين ليقول: «كن في الفتنة كابن اللبون، لا ظهراً فيُركب ولا ضرعاً فيُحلب». عبارة من زمن الإبل والمرعى، أطلقها رجل يدير الحياة السياسية منذ أكثر من ثلاثة عقود، في لحظة بالغة الحساسية. لحظة توقيع اتفاق إطار مع إسرائيل، وقبيل انتشار الجيش اللبناني في مناطق تجريبية جنوب لبنان، وانسحابات إسرائيلية متوقعة، ودولة يترجاها العالم أن تستعيد احتكار السلاح والأمن على أرضها.
لكن السؤال البسيط الذي لم يجِب عنه أحد هو: من هو «إبن اللبون» هنا؟ هل يقصد أنّ الدولة اللبنانية يجب ألا تقع في فخ إسرائيل؟ أم يقصد أنّ البيئة الشيعية ينبغي أن تلتزم الصمت وألا تعترض؟ أم أنّه يبعث برسالة إلى حزب الله نفسه بأنّه لا يريد أن يكون طرفاً في مواجهة مقبلة؟ لا أحد يعرف. وربما هذه هي الغاية بالذات.
لطالما أتقن بري فن الكلام ذي الوجهين. جملة تصلح لكل المستمعين، وتسمح لكل طرف أن يسمع ما يريد. فهو يؤيد التفاوض اللبناني مع إسرائيل من دون أن يقول إنّه يؤيده، ويبارك دور الدولة من دون أن يصطدم بالحزب، ويدعو إلى التهدئة من دون أن يحدد من يجب أن يهدأ.
نبيه بري رجل الغموض. هو يوافق عملياً على مفاوضات مع إسرائيل ووزراءه يؤيدون ذلك، ويوافق على انتشار الجيش اللبناني وحده جنوب لبنان، وعلى إعادة الدولة إلى الجنوب. هو فقط لا يريد أن يتحمل كلفة هذه المواقف داخل بيئته المعبّئة بالإيديولوجيا والثأر، أو أمام حزب الله. لذلك يختبئ خلف الأمثال الشعبية والتفلسف على المستمعين.
لكن المشكلة لا تكمن فقط في الغموض، بل في اللغة نفسها. فلبنان الذي لديه وزارة للذكاء الاصطناعي، وضباط يدرسون الحروب السيبرانية، يتلقى خطاباً سياسياً عن«ابن اللبون» و«الظهر الذي يُركب» و«الضرع الذي يُحلب». جيل كامل يعيش على الشاشات والخوارزميات يُطلب منه أن يفكك أقوالاً بدوية كي يفهم موقف رئيس مجلس النواب من أخطر تطور سياسي وأمني في البلاد.
ربما ليس السؤال الحقيقي: ماذا يقصد بري؟ بل: لماذا يرفض أن يقول ما يقصده؟
فالسياسي الذي يشعر بالقوة يتحدث بوضوح، بصراحة، بجرأة. أما السياسي الذي يخشى أزمة مع حلفائه، أو اعتراضاً داخل بيئته، أو اتهاماً بالتنازل، فإنّه يلجأ إلى الرموز، والأمثال، والكلمات التي تشبه الضباب.
وهكذا، بينما تدخل الدولة إلى الجنوب، وتتغير قواعد اللعبة، وتُطرد إيران من الساحة اللبنانية، يختار رئيس المجلس أن يخاطب اللبنانيين بلغة الناقة والجمل. يختار أن يقدّم نفس كمثل «حكيم العرب»، أكثم بن صيفي، أو الأحنف بن قيس... حكماء الزمن الإسلامي الأول الذين اشتهروا بالأقوال المأثورة والجمل الغامضة.
في النهاية، قد يكون «إبن اللبون» الحقيقي هو الخطاب السياسي لنبيه بري نفسه: لا موقف يُركب، ولا قيمة تُحلب.

