إردوغان وفن الهدية.. نواف سلام و «الناتو»
إردوغان وفن الهدية.. نواف سلام و «الناتو»
في عالم الدبلوماسية، قد تُنسى الكلمات بعد أيام، وتُطوى البيانات المشتركة في الأرشيف، لكن الهدية الذكية تعيش طويلاً.
بدأت الزيارة بكتاب. ليس أي كتاب، بل الترجمة التركية لمذكرات سليم علي سلام، جدّ رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام. هدية صغيرة في حجمها. كبيرة في معناها.
لم يقدّم رجب طيب إردوغان ساعة فاخرة، ولا لوحة باهظة الثمن، ولا قطعة من الذهب. قدّم تاريخاً عائلياً وذاكرة. وقال، من دون أن ينطق: أعرف من أنت. هذه ليست هدية. هذه رسالة.
إردوغان يعرف أنّ الهدية ليست قيمتها بما تُكلِّف، بل بما تقول. يعرف أنّ الهدية الدبلوماسية ليست بروتوكولاً، بل سياسة تُغلَّف بورق فاخر.
يمكن أن تختلف معه في كل شيء. في قراءته للتاريخ. في الحنين إلى السلطنة العثمانية. في تدخله في سوريا والعراق ولبنان. في سياساته الإقليمية. في حساباته تجاه فلسطين. لكن يصعب ألا تعترف بأنّه فنان في الإهداء. الرجل يصيب الهدف... دوماً.
حين اجتمع بقادة حلف «الناتو» الأسبوع الماضي. لم يوزع عليهم أقلاماً تذكارية أو مجسمات لمعالم إسطنبول. أهدى كل واحد منهم مسدساً تركياً فاخراً، محفوراً باسمه. هدية أثارت الجدل، لكنها قالت شيئاً واحداً: هذه هي تركيا التي أريدكم أن تروها. دولة تصنع السلاح، وتفاخر به، وتضعه بين أيدي حلفائها عند الضرورة.
وحين أراد الترويج للصناعة التركية، لم يكتفِ بالخطب أمام الدولة الشبه صناعية. أهدى سيارة TOGG (سيارة تركية على الطاقة الشمسية) إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وإلى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، وإلى الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو، وإلى رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم. السيارة لم تكن مجرد وسيلة نقل. كانت إعلاناً واضحاً أنّ تركيا باتت دولة صناعية، واقتصادها يسير على أربع عجلات.
أما مع نواف سلام، فكان المشهد مختلفاً. لا سيارة. لا سلاح. لا تكنولوجيا. إنّما كتاب.
اختار الرجل أن يدخل إلى قلب ضيفه من باب جده، عضو «مجلس المبعوثان» (البرلمان العثماني). من «الحركة الإصلاحية في بيروت» التي أسسها جدّ نواف. دخل من الذاكرة. كأنّه يقول له: أعرف تاريخ عائلتك كما تعرفه أنت، وربما أكثر.
هذه هي السياسة عندما تتحول إلى تفاصيل. الهدايا عند إردوغان ليست عشوائية. لا يفتح مستودعاً ويختار ما يقع تحت يده كما يفعل بقية القادة. يبدو كمن يدرس ضيفه أولاً، ثم يبحث عن المفتاح المناسب. لكل شخصية مفتاح. ولكل مفتاح هدية. لهذا تبقى هداياه في الذاكرة.
في عالم الدبلوماسية، قد تُنسى الكلمات بعد أيام، وتُطوى البيانات المشتركة في الأرشيف، لكن الهدية الذكية تعيش طويلاً. تُعرض في مكتبة، أو في مكتب، أو في قاعة استقبال، وتستمر في أداء مهمتها السياسية بصمت.
إردوغان يفهم ذلك جيداً. إنّه لا يهدي الأشياء فقط. يهدي رواية. يهدي رسالة. يهدي شعوراً بأنّك مهم، وأنّه يعرفك، وأنّك لست مجرد اسم على جدول اللقاءات. وربما لهذا السبب، تصيب هداياه غالباً.
إنّ بعض السياسيين يتركون انطباعاً بخطاباتهم. وبعضهم بقراراتهم. أما إردوغان... فيعرف كيف يترك انطباعاً حتى بهدية.

