كتاب مفتوح إلى الرئيس الدكتور نواف سلام
كتاب مفتوح إلى الرئيس الدكتور نواف سلام
تعليق العمل بالمرسوم 3445، لأنّه جريمة بحقّ مادة التاريخ ومناقض للدستور واتفاق الطائف والمصلحة الوطنية العليا.
لقد قررت أن أوجّه إليك، يا دولة الرئيس، هذا الكتاب المفتوح لعدة أسباب:
للصداقة التي كانت قائمة بيننا منذ أيام الحروب التي عاشها وطننا بين 1975-1990،
وزمالتنا في الدراسة في جامعة السوربون حيث تابعنا مع أستاذ مشترك إعداد أطروحتينا، والشعور الذي انتابنا عند انتخابك رئيساً للوزراء والأمل الذي شعرنا به بإمكانية تحقيق الإصلاح المنشود.
ولكن شعرنا بالإحباط عند موافقتكم على الحدود البحرية مع قبرص رغم أنّ البروفسور ولفروم الألماني اجتمع بك وحذّر من الإجحاف الحاصل بحق لبنان في ذاك الاتفاق.
وها هو المرسوم 3445 يصدر مقروناً بتوقيعك ويتعلق بالمنهاج اللبناني للتعليم العام ما قبل الجامعي. وفي هذا المرسوم جريمة بحق مادة التاريخ في المنهج الجديد ومناقض للدستور واتفاق الطائف والإطار الوطني اللبناني لمنهاج التعليم العام ما قبل الجامعي (تشرين الثاني 2022)
ورغم أنّنا مع مجموعة من الزملاء الأكاديميين المعنيين بمادة التاريخ قد حاولنا الاجتماع بك لطرح وجهة نظرنا ولبيان خطورة المرسوم الجديد على الأجيال اللبنانية القادمة، لكننا لم نفلح في نيل موعد للاجتماع. لذلك نحاول أن نوصل إليك وجهة نظرنا، من خلال وسائل الإعلام.
أولاً في الوقائع:
أ- ما ورد في المرسوم 3445، في موضوع تعليم التاريخ:
في الجدول رقم (1)، المتعلق بالروضة الأولى والروضة الثانية لا ذكر لمادة التاريخ في بند العلوم الإنسانية والاجتماعية.
ب- في الجدول رقم (2)، المتعلق بالروضة الثالثة والصف الأول لا ذكر لمادة التاريخ في بند العلوم الإنسانية والاجتماعية وعدد الفترات فيهما ساعتين في كل واحدة.
ج- في الجدول رقم (3)، الحلقة الأولى (الصفان الثاني والثالث)، وتحت عنوان العلوم الإنسانية والاجتماعية. تدمج مادة التاريخ مع الجغرافيا وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد وإدارة الأعمال، ويخصص لكل واحد من الصفين فترتين.
د- في الحلقة الثانية، في الجدول رقم (4)، وفي الصفين الرابع والخامس وتحت عنوان الدراسات الاجتماعية، تدمج مادة التاريخ مع الجغرافيا وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد وإدارة الأعمال، وكل صف يعطى فترتين.
ه- في الحلقة الثالثة الجدول رقم (5)، (الصفان السادس والساب تعطي الدراسات الاجتماعية (علم الاجتماع، والإدارة، التاريخ، الجغرافيا) مدة 3 ساعات لكل صف.
و- في الحلقة الرابعة، في الجدول رقم (6)، للصفين الثامن والتاسع تعطي الدراسات الاجتماعية(علم الاجتماع، التاريخ، والجغرافيا) ساعة واحدة لكل صف.
ز- في الجدول رقم (7)، المتعلق بالصف العاشر (جذع مشترك)، وفي الرزمة الإلزامية تعطي الدراسات الاجتماعية (التاريخ، الجغرافيا) فترة ساعتين.
ح- في الجدول رقم (8)، المتعلق بالصف الحادي عشر، ثمة رزمتان:
- رزمة الحقول المعرفية المشتركة الإلزامية وفيها الدراسات الاجتماعية (التاريخ والجغرافيا) ومدتها ساعة واحدة.
- ورزمة الحقول المعرفية التخصصية (وعددها 4) تعطي مادة التاريخ منفصلة عن غيرها مدة 4 فترات.
بينما لا تعتبر مادة التاريخ إلزامية لحقول معرفية أخرى.
ط- في الجدول رقم (9)، للصف الثاني عشر، ثمة رزمتان:
- رزمة الحقول المعرفية المشتركة الإلزامية ولا وجود فيها لمادة التاريخ.
- رزمة الحقول التخصصية تُعطى مادة التاريخ 5 فترات تعليمية.
- ولا وجود للتاريخ في رزمة الحقول المعرفية الاختيارية.
2- نقاط الخلل في هذا المرسوم:
يعاني هذا المرسوم من خلل خطير يجعله ليس فقط مناقضاً للدستور واتفاق الطائف، إنّما أيضاً مناقضاً للإطار الوطني اللبناني لمنهاج التعليم العام ما قبل الجامعي الذي أعلن في السرايا الحكومي في 15/ 2 / 2022 وقد شاركت كل الفعاليات التربوية في مناقشته وإقراره.
1- يزعم المرسوم 3445 أنّه يرتكز على الإطار الوطني اللبناني وذلك وفقاً لمباديء الدستور اللبناني (ص.2). وأنّ وثيقة الوفاق الوطني، في مجال التربية والتعليم، أكدت على إعادة النظر في المناهج وتطويرها بما يعزّز الإنتماء والإنصهار الوطنيين، والإنفتاح الروحي والثقافي وتوحيد الكتاب في مادتي التاريخ والتربية الوطنية ( مجلس النواب، وثيقة الوفاق الوطني اللبناني،لا.ت. ص. 15).
إنّ دمج مادة التاريخ بغيرها مع المواد في العلوم الاجتماعية، والاحجام عن تعليمها في بعض المراحل، وعدم إلزامية هذا التعليم في مراحل أخرى، هو أمر مناقض للدستور والميثاق الوطني. إنّ ما ورد في وثيقة الوفاق الوطني يُلزم واضعي المناهج أن يعملوا منهجاً خاصاً لمادة التاريخ، وفي كل المراحل، من عمر الروضة الى الصف الثاني عشر، ولا يستطيع المركز التربوي أو وزارة التربية اعتبار التاريخ كمادة اختيارية. وبوضوح يجب أن يكون هناك منهج للتاريخ بكل الصفوف وفي كل المراحل.
الإطار الوطني يؤكد على تعزيز الهوية الوطنية اللبنانية والشعور بالافتخار ومرجعية مادة التاريخ بالنسبة لبناء المواقف (ص 43-44). وفي مفهوم المواطنة يتم الارتكاز على مادة التاريخ وعلاقتها بالتربية الوطنية. وفي ص. 45 يتم التطرق إلى أنّ التاريخ يشكل أساس وعي خصوصية لبنان في الفترة الحديثة (ص45).
في ص 52 ثمة كلام عن آليات حسن التطبيق، وأنّ هذه الآليات، في كل علم من العلوم، بما في ذلك التاريخ والجغرافيا أو الفيزياء أو الرياضيات أو الأدب، تفترض الإجابة على الأسئلة التالية: لماذا أو ماذا وكيف ومتى؟.
ولا يمكن أن نجيب على هذه الأسئلة الأربعة إلا انطلاقًا من البعد التاريخي. وبالتالي فالعلوم الإنسانية، في كل علم منها، ثمة بعد أساسي والتاريخ يجمعها كلها في فترة زمنية متطورة. من هنا نسأل لماذا اعتمدوا الدمج ولم يعتمدوا التكامل؟
لماذا هذا الدمج الذي اعتمدته أستراليا وكندا وذلك لاستقبال المهاجرين. وهذا الدمج يهيئ الطلاب المهاجرين لأخذ الجنسيات أكثر مما يؤمن الهوية الوطنية، فيما وضع لبنان مغاير لكل من أستراليا وكندا.
لقد نص المرسوم 3445 في المادة الأولى منه: تتحدد مرتكزات المنهاج الوطني اللبناني للتعليم العام ما قبل الجامعي وأهدافه وملامح المتعلم وفقًا لمبادئ الدستور اللبناني وما ورد في الإطار الوطني اللبناني لمنهاج التعليم العام ما قبل الجامعي.
ومن الواضح أنّ ما ورد في هذا المرسوم مناقض لما ورد في الدستور والميثاق الوطني وللإطار الوطني اللبناني للمناهج. وأفضل دليل على ذلك ما ورد في مقال بالغ الأهمية كتبه عضو بارز في اللجنة التي صاغت الإطار الوطني عنيت به الدكتور أنطوان مسرة (راجع نداء الوطن تاريخ (23/ 7/ 026 ) وقد أنهى مقاله واصفًا نتيجة مرسوم ما زعم أنّه المنهج الجديد بالقول: هل الأشخاص الذين ساهموا في إعداد الإطار العام مجرد غطاء خلف ستار توزيع مواد تعليمية وحصص تعليمية؟ هذه قضايا هي في صلب عمل الذين تولوا إعداد الإطار العام. هل دمج التاريخ والتراث والذاكرة والمسارات التربوية الأخرى مجرد إجراء تنفيذي؟ إنّ تجاهل نقل التراث القيمي إلى الأجيال الجديدة هو مصدر السياق العالمي المعاصر في اللاحضارة.
تُفقد في عالم اليوم نصوص قانونية ودستورية صفتها المرجعية: هل يعود الذين ساهموا في تفشيل وتعطيل خطة النهوض التربوي بقيادة البروفسور منير أبو عسلي بلباس جديد وبغطاء جهود المشاركين في صياغة الإطار العام؟
يؤكد الإطار الوطني أنّ كل الاختصاصات لها نفس القدر من الأهمية وأنّها تكمل بعضها البعض. أي تؤكد على التكامل بين المواد. والسؤال الملح: إذا أقروا مبدأ التكامل في الإطار الوطني، فلماذا عادوا وطبقوا مبدأ الدمج في مرسوم المناهج؟
في ص 4 من المرسوم الصادر واضح أنّ هناك ميل لدمج العلوم الاجتماعية والإنسانية مع بعضها. والدول التي اعتمدت هذا التوجه اختارت المفاهيم التي تسمح للناس أن تنتسب إليها أو القبول بالمواطنة الجديدة التي أدخلوها إليها (كندا- أستراليا.. ) وبالتالي ما هو الرهان السياسي الذي اختاره واضعو المرسوم مع الاعتماد على مبدأ الدمج؟
في ص 8 من المرسوم يقع على المركز التربوي اختيار المواد التي تدرس في المدارس الرسمية وتوفيرها لطلاب المدارس، ولا إشارة للمدارس الخاصة. هل المنهج هو منهج عام للبنان أم هو منهج خاص؟ هذه نقطة بحاجة إلى التوضيح؟ المهتمون بالتاريخ يهمهم النظام المعرفي والتقييم.
في المادة 18 من المرسوم، الفقرة 3، ورد ما يلي: يقع على عاتق المركز التربوي للبحوث والإنماء اختيار المواد التربوية التي يجب أن تُستخدم في المدارس الرسمية وتوفيرها لطلاب هذه المدارس..
من جهة أخرى نلاحظ تغييراً في صيغة المنهاج، بينما كان نصاً ثابتاً في السابق، أصبح بمثابة دليل عمل يستعين به المعلمون والمؤلفون مع مجموعة من الوثائق المرجعية.
فأين هو دليل العمل؟
وهل هذا المرسوم هو الدليل؟
نستبعد أن يكون كذلك، ونلاحظ أنّ الدورة التي نظمت لوضع المنهاج لم تنجز أي دليل عمل بقدر ما كان هناك وصف لما وضع عند بعض الدول الخارجية.
3- من سيعلّم المادة المدمجة؟
في المادة 19 تنصّ الفقرة الثانية: يطبق هذا المنهاج اختيارياً في العام الدراسي 2026-2027، وإلزامياً ابتداءً من العام الدراسي 2027-2028.
السؤال الأساسي من سيعلم مواد العلوم الإنسانية المدمجة؟ ما هو محتوى هذا المنهج؟ وكيف يمكن إعداد هؤلاء المعلمين في مجالي الخاص والرسمي؟ مع العلم أنّ الذين أعدوا ذلك المنهاج خالفوا المرسوم رقم 11185 المتعلق بتنظيم كلية التربية في الجامعة اللبنانية، ولا سيما المادة الأولى منه التي تتضمن أنّ مهام كلية التربية تشمل في الفقرة 7 ، الاشتراك حكماً في اللجان العاملة في حقل التخطيط التربوي وفي حقل مناهج التعليم. وإذا كان صحيحاً أنّهم استعانوا بأساتذة من كلية التربية، فالصحيح أيضاً أنّهم لم يتصلوا بشكل رسمي بإدارة الكلية، كما ينصّ المرسوم، على حد ما أكد لنا العميد الدكتور جوزف أبو نهرا.
والمطلوب أن يكون هناك تنسيق عميق ومستمر بين المركز التربوي وكلية التربية لإعداد وتدريب المعلمين في كل الحلقات وبشكل مستمر.
4- لماذا لم يتم استشارة اللجنة العليا للتاريخ؟
وكما كان هناك احتيال في مجال عدم تنفيذ الإطار الوطني اللبناني لمنهاج التعليم العام ما قبل الجامعي، فقد كان هناك احتيال، تهريب، ومخالفة للأصول الإدارية. فرغم أنّ إدارة المركز التربوي وقعت على عقود مع لجنة من الأساتذة أطلقت عليها اسم «اللجنة العليا للتاريخ» ومن مهامها مراجعة ما تتوصل إليه اللجان الفرعية، ورفعها للمراجع المعنية. بعد أن قدمت اللجنة العليا عدة مذكرات خطية طالبت فيها باستقلالية مادة التاريخ عن غيرها من المواد، ولحظ حصتين لها وحدها أو أكثر، وجعلها إلزامية لكل الصفوف، ولحظ معدل علامات عالية لها، بعد ذلك رفض المسؤولون في المركز مناقشة اللجنة العليا في موقفها بشكل خطي، وتم تهريب ما سمي أنّه مناهج جديدة الى مجلس الوزراء.
ثانياً: في الموقف:
إنطلاقاً من كل ما عرضنا نؤكد على الخطوات التالية:
1- نتمنى على رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ومجلس الوزراء مجتمعاً تعليق العمل بالمرسوم 3445، لأنّه مناقض للدستور واتفاق الطائف والمصلحة الوطنية العليا.
2- في حال لم يتم التجاوب، تقديم دعوى إلى مجلس الشورى، ضمن المهلة الزمنية القانونية للطعن بهذا المرسوم.
3- دعوة الجمعيات التاريخية في لبنان، وأقسام التاريخ في فروع الجامعة اللبنانية والجامعات الخاصة، وجميع مدرسي التاريخ في المدارس الرسمية والخاصة في الحلقات الابتدائية والتكميلية والثانوية، وجميع روابط المعلمين والأساتذة ونقاباتهم وجميع القطاعات التربوية في الأحزاب، وكل مؤسسات المجتمع المدني التي يهمها الوحدة الوطنية والحفاظ على شخصية شعبنا وتراثه، ندعو جميع هؤلاء إلى التحرك لإسقاط هذا المرسوم والعمل على عدم تطبيقه في المستقبل.
دولة الرئيس نواف سلام
يقول المصلح التربوي «إدغار فور»: «إنّ تنمية التربية، وتطوير تعليم التاريخ ومناهجه، من السبل الأكثر أهمية لتعميق الوحدة الوطنية وحمايتها».
ويقول «هنري بير» المدير الأسبق لمجلة «الأنال»: «التاريخ يجب أن يصبح في يوم من الأيام روح التعليم».
إذا كان تعليم التاريخ بهذه الأهمية فكيف يتمّ تهميشه ودمجه بمواد أخرى بدل أن يكون على تكامل معها؟ وهل يتحمل القاضي والدكتور في التاريخ - الرئيس نواف سلام- نتائج مثل هذا المرسوم الخطير؟!.
وتفضلوا بقبول الإحترام
د. عصام خليفة عضو اللجنة العليا للتاريخ
في 27/ 7 / 2026

