قانون العفو العام .. الفخّ الذي أتقن بري هندسته

قانون العفو العام .. الفخّ الذي أتقن بري هندسته

  • ١٠ أيلول ٢٠٢٦
  • ماريانا الخوري

كان يُفترض أن يحسم قانون العفو العام مصير الموقوفين، فإذا به يفتح أبواباً جديدة للتأويل والطعن والتعطيل، ويضع علامات استفهام حول إمكانية وصوله إلى مرحلة التطبيق.

بعد أشهر من المداولات والضغط الشعبي والمزايدات السياسية، وقّع رئيس الجمهورية جوزف عون قانون العفو العام مطلع أيلول الجاري، وصدر في الجريدة الرسمية وسط ترحيب رسمي وديني واسع. لكن خلف عبارات «طيّ الصفحات الأليمة» و«الإنصاف الإنساني» التي رافقت التوقيع، يختبئ نص قانوني مليء بالثغرات والمصطلحات الفضفاضة، ومسار سياسي يستحق أن يُقرأ بعناية أكبر من عنوانه العريض.

الرواية الرسمية تقول إنّ قانون العفو كان «مطلباً سنّياً» أساساً، مرتبطاً بملف الموقوفين الإسلاميين الذين قضى بعضهم سنوات طويلة في التوقيف من دون محاكمة. لكن الوقائع تستدعي وقفة؛ عدد الموقوفين الإسلاميين المعنيين بالملف لا يتجاوز ٥٧ موقوفاً مشمولين بالقانون، من أصل١٥٠ موقوف. بينما الشريحة الأكبر هي من موقوفي قضايا المخدرات وسرقة السيارات وجرائم أخرى، وجزء كبير منهم يتركّز في مناطق نفوذ الثنائي الشيعي، وتحديداً في بعلبك - الهرمل.

وبعبارة أخرى: قانون قُدّم للرأي العام كحلّ لملف الإسلاميين، انتهى إلى نصّ أوسع بكثير يطال شرائح مختلفة تماماً من الموقوفين، وبأعداد أكبر بكثير من الملف الذي بُرِّر باسمه.

نبيه بري وألغام قانون العفو

بدهاء لا يُجارى، نصب نبيه بري أكبر فخّ سياسي في تاريخ العفو العام. وبحنكته السياسية على سائر القوى، نجح بأن يحوّل هذا الملف إلى فخّ محكم الإغلاق؛ استطاع بمرحلة من المراحل وضع السنّة بوجه المسيحيين، ووضع الجميع بوجه الدولة، فجاء القانون مفصّلاً على قياس الموقوفين المحسوبين على الثنائي الشيعي.

والمفارقة أنّ الثنائي كان أول من طالب بالعفو العام أصلاً، لاعتبارات لوجستية وأمنية بل وانتخابية، قبل أن يتحوّل الملف، وكأن بسحر ساحر، إلى ما يُسوَّق اليوم بوصفه «مطلباً سنّياً». والحقيقة الواضحة اليوم هي أنّ الثنائي الشيعي هو المستفيد الأول والأكبر من هذا القانون.  وهذا ما يفسّر جزئياً كيف تحوّل ملف كان يُفترض أن يخفّف الاحتقان الطائفي إلى ملف يُعاد فيه إنتاج الانقسامات ذاتها بين السنّة والمسيحيين والدولة.

النّصّ القانوني يفتح الباب للتأويل المتضارب

المدعي العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج كشف أنّه سيعرض رؤيته للتطبيق على مجلس القضاء الأعلى، وأنّه سيعقد اجتماعاً مع قضاة النيابات العامة لتوحيد آلية التنفيذ - وهو ما يعني ضمناً أنّ النص لم يترك خلفه آلية تطبيق واضحة ومتّفقاً عليها.

من الثغرات التي كشفها الحاج:

تضارب النصوص حول جريمة السرقة: القانون يشمل جريمة السرقة، لكنه يستثني في البند العاشر الجرائم الخاضعة لقانون مكافحة تبييض الأموال. والمشكلة أنّ ذلك القانون (تبييض الأموال) يعتبر السرقة نفسها «جريمة أصلية» يمكن أن يُبنى عليها تبييض أموال. فالسرقة إذاً مشمولة بالعفو من جهة، ومستثناة منه من جهة أخرى، والقانون لا يحسم أيّ النصّين يُطبَّق. وبالتالي يصبح مصير الموقوف بجرم سرقة رهناً بأي تكييف قانوني يختاره القاضي الناظر بملفه، لا بنص واضح وموحّد.

مصطلحات لا وجود لها في القانون اللبناني: يستخدم النص عبارة «جنايات التكرار» وهو مصطلح غامض وغير موجود أصلاً في قانون العقوبات اللبناني، ما يترك الباب مفتوحاً أمام قراءات قضائية متضاربة.

النتيجة؟

هذا الغموض ليس تفصيلاً تقنياً بل جوهر المشكلة؛ أي ثغرة في الصياغة تعني أنّ مصير كل موقوف سيتحدّد بحسب تفسير القاضي الذي ينظر في ملفه، لا بحسب نص واضح وموحّد. وهذا يعني عملياً أنّ أعداداً من الموقوفين الذين يعتقدون اليوم أنّهم مشمولون بالعفو قد يُفاجَأون بالعكس عند التطبيق، والعكس صحيح أيضاً. لا أحد، حتى الآن، يستطيع أن يضمن أنّ هذه الثغرات لن تُستخدم لإبطاء أو تعطيل خروج ال ٥٧ موقوفاً إسلامياً تحديداً، وهم الفئة التي بُرِّر القانون باسمها في الأصل.

باسيل والطعن المتأخر

في هذا السياق، تقدّم النائب جبران باسيل بطعن بالقانون أمام المجلس الدستوري. لكن الطعن يثير بدوره سؤالاً سياسياً لا يقل أهمية عن مضمونه القانوني: التيار الوطني الحر كان ممثَّلاً في اللجان النيابية المشتركة التي ناقشت القانون بنداً بنداً، وشارك كما غيره من مصادر نيابية متعددة في صياغة الاستثناءات. فلماذا لم يُسجَّل اعتراض جدّي في تلك المرحلة؟ هل كان ثمة تفاهم أو وعد سياسي، بحسب ما يُتداول، بأنّ القانون لن يُقرّ أصلاً، فجاء الطعن كخطوة متأخرة بعد فوات الأوان التشريعي؟

وإن قُبِل الطعن شكلاً ومضموناً أمام المجلس الدستوري، فإنّ ذلك يعني عملياً تجميد تنفيذ القانون بالكامل، أي أنّ لا أحد من الموقوفين، أياً تكن الفئة التي ينتمي إليها، سيخرج من السجن في المدى المنظورالرابحون من هذا السيناريو ليسوا فقط مَن يعارض القانون سياسياً، بل أيضاً كل من يفضّل إبقاء الملف مفتوحاً كورقة تفاوض دائمة.