الجنوب يتكلم .. ما كان همساً بات علنياً

الجنوب يتكلم .. ما كان همساً بات علنياً

  • ١٠ أيلول ٢٠٢٦
  • خاص بيروت تايم

المكابرة على قول الحقيقة لم تعد رفاهية سياسية، بل باتت تقود إلى تحوّل جغرافي فعلي في الجنوب، وأرض محروقة غير قابلة للسكن على المدى المنظور.

«نحن ما بدنا إلا صالح البيئة الشيعية، ويرجع الجنوب لأصحابه، غير أنّ قسماً من هذه البيئة لا يفهم صالحها أو مسؤولياته». بهذه العبارة، نقل ميشال عيسى، من داخل المجلس الشيعي الإسلامي الأعلى، رسالة السفير الأميركي في لبنان من قلب مؤسسة دينية شيعية بامتياز.

في الجوهر، لم يحمل كلام عيسى جديداً بقدر ما أخرج إلى العلن ما يتردّد أصلاً في الأحاديث اليومية بين الجنوبيين: «نريد العودة إلى أرضنا، وتعبنا من الحرب». فبعد نحو ستة أشهر على استئناف حزب الله أعماله القتالية، باتت الحاضنة الموالية للحزب تعبّر بأريحية أكبر عمّا يختلج داخلها من قلق ومرارة.

هذا التحوّل لا يعكس تبدّلاً في الانتماء السياسي أو تراجعاً في التأييد لقضايا محورية بالنسبة إلى هذا الجمهور، بل يعبّر عن هاجس أعمق يمسّ مصير طائفة بأكملها، ومستقبل الأهالي والأبناء والأحفاد، في ظل وعود قطعها الحزب بحماية الأرض والعرض، وسقطت عملياً واحدة تلو الأخرى.

فمعادلة الردع التي طالما رُوّج لها استُبدلت بمعادلة أكثر قسوة: كل عملية يقوم بها حزب الله تُقابَل بتدمير كامل وجرف للمدن والبلدات بأسرها. من هذا الواقع بالذات، يشكّل نداءا النبطية الأول والثاني صرخة وجع في وجه هذا الدمار، لا موقفاً سياسياً معادياً كما يحاول البعض تصويره.

فالمطالبة بانتشار الجيش اللبناني على كامل الأراضي ليست عمالة لإسرائيل، ولا دعوة لاحتلال خارجي، بل مطلب باستعادة الدولة سيادتها على ترابها، وهو حقّ مشروع لأي مواطن مهما كان انتماؤه.

الواضح أنّ شرخاً يكبر، وثقة تتراجع، بين ما يقوله حزب الله لجمهوره وما هو قائم فعلياً على الأرض: فالحزب محاصر، وقُطعت عنه خطوط الإمداد من سوريا، وجفّت مصادر تمويله، وجرّدته الدولة من أي دور مباشر عبر مسار المفاوضات الرسمية. والمكابرة على هذه الحقيقة لم تعد رفاهية سياسية، بل باتت تقود إلى تحوّل جغرافي فعلي في الجنوب، وأرض محروقة غير قابلة للسكن على المدى المنظور.

في مؤشر لافت على حجم هذا الانكشاف، اعترف الإعلامي حسن الدر، المحسوب على هذه البيئة، صراحة بأنّ «ما حصل خطأ كبير خسَّرَنا الجنوب»، محمّلاً إيران المسؤولية عمّا آلت إليه الأمور.

فمتى سيخرج حزب الله ليصارح جمهوره بما جرى، ويتحمّل مسؤوليته الكاملة، قبل أن يحترق الجنوب بالكامل؟