الأباتي بولس نعمان.. راهب في قلب لبنان

الأباتي بولس نعمان.. راهب في قلب لبنان

  • ١١ أيلول ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

كان يؤمن بأنّ الإيمان لا يعني الاستسلام، وأنّ السلام لا يعني القبول بالهزيمة، وأنّ المحبة المسيحية لا تلغي حق الإنسان في الدفاع عن أرضه وكرامته وحريته.

في بلاد تتعب من ذاكرتها، وتميل كلما اشتد عليها الحاضر إلى دفن الماضي معه، يرحل اليوم رجل لم يكن الماضي بالنسبة إليه حكاية تُروى، بل مسؤولية تُحمل.

يرحل الأباتي بولس نعمان، وهو واحد من أولئك الذين لم يقفوا على هامش التاريخ اللبناني، بل دخلوا إليه في أكثر لحظاته قسوة، حين كان لبنان يُسأل إن كان سيبقى لبناناً، وحين كانت الكنيسة تُسأل إن كانت ستكتفي بالصلاة، أم ستقف أيضاً إلى جانب شعبها في محنته.

لم يكن الأباتي بولس نعمان راهباً عادياً. كان راهباً من ذلك الطراز الذي يعرف أنّ الصومعة ليست دائماً مكاناً للابتعاد عن العالم، وأنّ الكنيسة، حين يتهدد الوطن والجماعة، لا تستطيع أن تغلق أبوابها وتترك أبناءها وحدهم في العاصفة. كان يؤمن بأنّ الإيمان لا يعني الاستسلام، وأنّ السلام لا يعني القبول بالهزيمة، وأنّ المحبة المسيحية لا تلغي حق الإنسان في الدفاع عن أرضه وكرامته وحريته.

منذ الستينات، بدأ يرى ما كان كثيرون يرفضون رؤيته. السلاح الفلسطيني الذي دخل تدريجياً إلى الحياة اللبنانية لم يكن بالنسبة إليه تفصيلاً عابراً، بل مؤشراً إلى خلل أكبر في فكرة الدولة وفي معنى السيادة. وبعد صدامات ١٩٦٩ و«اتفاق القاهرة»، دخل لبنان مرحلة جديدة، وكان نعمان من الذين شعروا بأنّ المسألة لم تعد سياسية فقط، بل باتت تمسّ مستقبل الكيان نفسه.

لم يقل: أنا راهب، وهذه ليست مهمتي. ولم يقل: السياسة للسياسيين والسلاح للعسكريين. بل نزل من الدير إلى قلب السؤال اللبناني. شارك في إعداد الشباب، وأسهم في الحركة الفكرية التي سبقت الحرب، كما في الحركة التنظيمية وتأمين أماكن التدريب، قبل أن تتوسع الحركة وتتخذ أشكالاً أكثر تنظيماً.

ثم، عندما انفجرت الحرب عام ١٩٧٥، لم يكن بعيداً عن المشهد: كان عميداً في جامعة الروح القدس، ثم رئيساً عاماً للرهبانية اللبنانية المارونية، وعضواً في «الجبهة اللبنانية»، ورجل مجتمع مربك دخل المعركة لأنّه رأى أنّ الفراغ الرسمي ترك الناس وحدهم في مواجهة الخطر.

هنا تحديداً تكمن أهمية الأباتي نعمان. هو لم يكن مقاتلاً بالمعنى التقليدي للكلمة. كان مقاتلاً بفكرة قبل أن يكون مقاتلاً بموقف. كان يقول، في جوهر تجربته، إنّ لبنان يحتاج إلى من يحصّن فكرته قبل أن يحصّن حدوده، وإنّ المقاومة لا تبدأ من البندقية، بل من السؤال: لماذا نقاوم؟ ولأجل أي لبنان؟

ولهذا كانت جامعة الروح القدس - الكسليك، في تلك السنوات، أكثر من جامعة. كانت مساحة تفكير، ومختبراً للأفكار، ومكاناً اجتمعت فيه شخصيات لبنانية مسيحية عديدة لتبحث في مصير الوطن، في وقت كانت فيه المؤسسات تتهاوى الواحدة تلو الأخرى.

لكن الأخطر في تجربة نعمان، والأعمق فيها، أنّه لم ينظر إلى المقاومة كحالة عسكرية منفصلة عن الإنسان. كان يتحدث عن الإنسان والأرض والحرية معاً. ثلاث كلمات، لكنها تختصر مشروعاً كاملاً: لا أرض بلا إنسان، ولا إنسان حرّاً على أرضه من دون كرامة، ولا حرية حقيقية إذا صار الوطن ساحة مفتوحة لمشاريع الآخرين.

لم يكن من أولئك الذين عشقوا الحرب. بالعكس، كان يعرف ثمنها جيداً. عرف الشهداء، والمهجرين، والقرى المدمرة، والخوف الذي دخل إلى بيوت الناس. لكنه كان يعرف أيضاً أنّ بعض الحروب لا تبدأ لأنّ الناس يحبون الحرب، بل لأنّ الدولة تفشل في حماية نفسها، ولأنّ السلاح يصبح أقوى من المؤسسات، ولأنّ الخوف من المواجهة يتحول، في لحظة ما، إلى ثمن أكبر من المواجهة نفسها.

لهذا لم تكن ذاكرته عن الحرب ذاكرة تمجيد للدم، بل ذاكرة تحذير. كان يقول إنّ اللبنانيين يجب أن يتعلموا من الحرب، لا أن يعودوا إليها. وفي ذلك ربما كان أكثر مقاومةً للحرب من كثيرين ممن يتحدثون عن السلام اليوم بلا أن يسألوا عن أسبابه وشروطه.

وحين نتحدث اليوم عن «المقاومة المسيحية اللبنانية»، فليس المقصود أن نستعيد الحرب كما هي، ولا أن نحول التاريخ إلى نشيد حزبي. المقصود أن نتذكر أن المسيحي اللبناني عاش في لحظة من تاريخه سؤالاً وجودياً حقيقياً، وأنّ بعض رجال الكنيسة قرروا ألا يتركوا أبناءهم وحدهم أمامه.

لهذا، فإنّ رحيله اليوم ليس مجرد رحيل رجل دين. إنّه إغلاق صفحة من صفحات جيل كامل عاش لبنان في زمن لم تكن فيه الخيارات سهلة، ولا المواقف مجانية، ولا البقاء مضموناً.

يرحل الأباتي بولس نعمان، ويبقى السؤال الذي حمله طوال حياته: ماذا نفعل حين يصبح الوطن مهدداً؟ هل ننسحب إلى صمتنا وصوامعنا، أم نقف حيث يجب أن نقف، نحمل البندقية في كف والإيمان في كف، ونقاوم؟