٥٠ ألف متر مكعب من التراب .. الدليل الذي تركته ردميات الحفر في علي الطاهر

٥٠ ألف متر مكعب من التراب .. الدليل الذي تركته ردميات الحفر في علي الطاهر

  • ٢٥ أيلول ٢٠٢٦
  • خاص بيروت تايم

آليات دوّارة، كمّاشات صخرية، شاحنات نقل متكررة، وأصوات اهتزاز تمتد لمسافات فوق الأرض. حفر بهذا الحجم لا يمكن إخفاؤه. لكن نواتجه ممكنة.

خمسة كيلومترات من الأنفاق لا تُحفر من دون أن تترك أثراً فوق الأرض.

الحساب بسيط: نفق بطول ٥ كيلومترات، وبارتفاع مترين وعرض مترين، يعني إزالة قرابة ٣٠ ألف متر مكعب، أي ما يعادل نحو ٣ آلاف حمولة شاحنة سعتها عشرة أمتار مكعبة. وهذا قبل احتساب غرف القيادة والمخازن والفتحات الجانبية. وإذا احتُسب انتفاخ التربة والصخر بعد استخراجهما، وهو ما يرفع حجمها فوق الأرض بنسبة تصل إلى النصف.  يقترب الرقم أكثر من الـ٥٠ ألف متر مكعب المرصودة في الردمية، وهو تطابق لافت لا يبدو عرضياً

فحفر كهذا لا يمكن أن يمرّ صامتاً: آليات دوّارة أو كمّاشات صخرية، شاحنات نقل متكررة، وأصوات اهتزاز تمتد لمسافات فوق الأرض. ما كان يمكن إخفاؤه فعلياً ليس عملية الحفر نفسها، بل مكانها ونواتجها وهذه النواتج لا بدّ أنها ذهبت إلى مكان ما.

هنا تصبح ردمية علي الطاهر أكثر إثارة للاهتمام. صور الأقمار الصناعية تُظهر أنّ تراكمها بدأ بعد ٢٠١٤ واستمر بالتوسّع. مساحتها اليوم تقارب، وفق القياس المباشر من الصورة، عشرة آلاف متر مربع. أما ارتفاعها فلا تظهره الصورة مباشرة، بل يُقدَّر بمقارنته بأشياء معروفة الحجم إلى جانبه، كسياج أو مبنى قريب إلخ… وبحسب هذا التقدير، إذا بلغ متوسط الإرتفاع خمسة أمتار، فنحن أمام نحو ٥٠ ألف متر مكعب من الردميات، وهذا  رقم تقريبي في تفاصيله، لكنه مبني على منهجية قياس معتمدة، ما يرجّح أنّه قريب جداً من الحجم الحقيقي للردمية.

هل هي نواتج حفر الأنفاق؟ لا يمكن إثبات ذلك بالصور وحدها. فالردم حين يُخلط بمخلفات البناء يفقد بصمته المميزة، ويصبح أقرب إلى مكب نفايات عادي في عين الأقمار الصناعية، وهذا بالضبط ما يجعل التمييز بينهما صعباً، لا لغياب الدليل بل لتمويهه. لكن الحجم والتوقيت يفتحان باب السؤال، خصوصاً أنّ الجيش الإسرائيلي يقول إنّ شبكة علي الطاهر والشقيف التي عمل على تفكيكها ضمت ثمانية مسارات بطول إجمالي ٥.٤ كيلومترات، فيما تجاوزت منشأة علي الطاهر نفسها كيلومترين وضمت مركز قيادة لوحدة «بدر» ومستودعات صواريخ وأسلحة، وقال إنّ المشروع بُني على مدى أكثر من عقد. وحتى بمعدل حفر بطيء ومتقطع، كما تقتضيه الحفريات السرية بعيداً عن الأعين والاهتزازات.  فإنّ خمسة كيلومترات من الأنفاق تحتاج سنوات طويلة من العمل المتواصل، وهو ما يفسر الحديث عن طول أمد  المشروع.

والسؤال لم يعد محصوراً بعلي الطاهر. ففي الإعلام والسياسة بدأ يظهر تعبير «علي الطاهر ٢ و٣ و٤». رئيس حزب الكتائب سامي الجميّل تحدث عن احتمال وجود منشآت مشابهة في البقاع وبيروت والمتن وكسروان، محذراً من تكرار السيناريو نفسه. كما تحدثت تقارير عن مراكز وأنفاق أكبر في محيط جزين وجبل الريحان، استناداً إلى مصادر عسكرية.

الأكثر إثارة كان ما قاله توم حرب عن خرائط لأنفاق تحت بعلبك وجوار القلعة تمتد باتجاه جرود كسروان وجبيل. لكن هنا تحديداً، تنفي مصادر حكومية لبنانية أن تكون إسرائيل قد عرضت مثل هذه الخرائط في المفاوضات، وتقول إنّ الجيش اللبناني لم يرفع تقارير تثبت وجود أنفاق من بعلبك إلى جبل لبنان.

نحن أمام معلومات خطيرة تهدد لبنان بالمزيد من قضم الأراضي والتوغلات.

لكن السؤال في علي الطاهر مختلف: فالردم، وربما خلطه بالنفايات ومخلفات البناء، بدا محاولة لإخفاء أثر الحفر. لكن هذه المحاولة نفسها أنتجت أثراً جديداً فوق الأرض؛ كومة تراب يمكن رصدها وقياسها. وما إن يُكتشف الأثر فوق الأرض، تصبح المسارات تحته قابلة للتحديد والوصول، بل والتدمير. أي أنّ محاولة الإخفاء انقلبت على نفسها.

لكن الأهم، فهل تتابع الدولة اللبنانية هذه المؤشرات أينما ظهرت على أراضيها، أم تترك إسرائيل تتولى الكشف بدلاً منها؟