العلمانية والكنيسة الكاثوليكية يتبادلان الدعم في ساحة "الوفاق" في باريس

العلمانية والكنيسة الكاثوليكية يتبادلان الدعم في ساحة "الوفاق" في باريس

  • ٢٩ أيلول ٢٠٢٦
  • غسان صليبي

٧٠٠ الف مواطن في فرنسا العلمانية رحّبوا بالبابا في شوارع باريس، وشاركوا في قداس ترأسه في "ساحة الكونكورد" Place de la Concorde، وترجمتها الى العربية "ساحة الوفاق".

سمّيت الساحة بداية "ساحة الملك لويس الخامس عشر" قبل ان يتغيّر اسمها ليصبح "ساحة الثورة" الفرنسية التي كان من بين نتائجها فصل الدين عن الدولة. وقد شهدت هذه الساحة قطع رأس الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري انطوانيت. اما تسميتها الحالية ب"ساحة الوفاق" فقد جاءت في سياق تطور الثورة الفرنسية وتتويجاً لانتهاء حقبة "الارهاب" التي قادها روبسبيير، واعلاناً لبدء مرحلة جديدة من السلم الاهلي.

بعض الفرنسيين لم يعجبه اختيار الساحة برمزيتها كمكان للاحتفال بالقداس، في حين اني وجدت في هذا الخيار تأكيدا رمزياً على "الوفاق" التاريخي المستمر بين العلمانية والكنيسة الكاثوليكية بعد عهود من الصراعات الدموية. 

فقد وضعت الدولة الفرنسية العلمانية امكانياتها المؤسساتية والمالية والامنية في خدمة إنجاح الزيارة البابوية. في المقابل
بدت لي زيارة البابا فعل مساندة للعلمانية الفرنسية رغم طابعها الديني الصرف. فالعلمانية الفرنسية المأزومة والمرتبكة أمام تنامي ظاهرة التعددية الدينية مع تزايد عدد المسلمين وتعاظم نزعة الاسلاموفوبيا في اوساط المسيحيين، يمكنها ان تجد في مضمون الرسائل التي وجّهها البابا الى الفرنسيين، دعماً لقيمها ولا سيما المساواة بين المواطنين جميعا أمام القانون من جهة واحترام حرية المعتقد الديني من جهة أخرى.

فإذا كانت الزيارة بتعبيراتها الشعبية المسيحية الضخمة، وبالحضور البارز في احتفال قداس باريس كما في المناسبات الاخرى، لممثلي الأحزاب اليمينية- المتطرفة منها بشكل خاص- يمكن ان تُقرأ كدعم لهذه الأحزاب ولمواقفها السلبية من  المسلمين ومن حقوق المهاجرين على حد سواء، غير أن كلمات البابا في المناسبات جميعها، عاكست هذه المواقف بشكل واضح وصريح.

المصالحة المسيحية مع العلمانية ومع شعار الثورة الفرنسية جليّ في هذا التصريح للبابا من قلب العاصمة الفرنسية: "إن الحرية والمساواة والإخاء ليست مجرد كلمات منقوشة على واجهات مبانيكم العامة، بل هي تعبير عن مقتضيات أخلاقية عالمية تجد أيضاً في الرسالة الإنجيلية مصدراً لا ينضب للإلهام والتحقق."

كما ان البابا لا يترك فرصة الا ويعبّر فيها عن دعمه لحقوق المهاجرين ورفضه للتمييز ضدهم، كما أنه يدعو دائما للإخاء والسلام بين مختلف الاديان. وخلال زيارته التقى عددا من المهاجرين المسلمين والمسيحيين من جنسيات مختلفة، وشدد على أهمية "الالتقاء والعيش معا بكرامة وسلام". وقال إن "تاريخ الكنيسة والبشرية لم يكتبه الذين يعطون الانطباع بالانتصار من خلال فرض أنفسهم واحتلال المساحة، بل الذين يفسحون المجال لغيرهم ويوجدون آليات سلام ويبعثون الثقة ويشجعون الحياة".

انه موقف حاسم ضد هيمنة جماعة على أخرى او إقصائها او التمييز ضدها. وفي سياق الدعوة الى علاقات متساوية وسلمية بين الجماعات، لم يقتصر كلامه على الجماعات الدينية او الوطنية، بل دعا إلى "الإقرار بدور النساء الجوهري في بناء حضارة تقوم على المحبة". والمحبة في المسيحية هي القيمة العليا.  

غير ان البابا، ورغم تصالحه مع القيم العلمانية، لا يتورّع عن نقد صفاتها "الرأسمالية"، هي التي حملت منذ نشأتها تطلعات البورجوازية الصاعدة. فمواقفه المنددة بظاهرة الفقر و"بإستبداد الاقتصاد" المسبب لها، كما حرصه على حماية البشرية والكوكب من التقلبات المناخية ومن مخاطر الذكاء الاصطناعي-  والإثنان من نتاج تفلت النظام الرأسمالي- تبدو جميعها أقرب الى الاتجاهات اليسارية في اميركا وأوروبا.

ويذهب البابا ابعد من ذلك في نقده للمجتمعات الحديثة ويتكلم عن "الظمأٌ إلى المعنى والحقيقة والتحقّق، الذي يسكنُ قلبَ كلِّ إنسان، محذرا من إغراء "الاكتفاء بالممتلكات المادية وإشباع الرغبات الآنية والتعلق بالأصنام التافهة". لكن على  عكس كامو وسارتر، الفيلسوفان الفرنسيان اللذان اعتبرا انه على الإنسان ان يعطي معنى لحياته في عالم عبثي لا معنى له ولا وجود لإله فيه، يؤكد البابا ان "الشوقُ إلى الله يسكن في أعماق قلوبنا"، مذكرا بقول يسوع «إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ» (يوحنا 7: 37). وهنا يبتعد البابا عن الاتجاهات اليسارية العلمانية الملحدة.

يبقى ان قلق البابا الأكبر هو على مصير البشرية جمعاء، بغض النظر عن اديانها وجنسياتها وانظمتها. فالشعار الأول لزيارته، والذي كرره مرات عدة، هو "حتى يكون للعالم حياة". و"حياة العالم" هذه التي يخاف عليها البابا، لا يبدو انه يعوّل على الله وحده لإنقاذها من الزوال، بل يجعل من هدف الحفاظ عليها مسؤولية انسانية في الدرجة الأولى. وهذا على ما اعتقد، موقف علماني في الصميم.