الشيعة يدفعون ثمن الأسطورة… والهزيمة المحتومة
الشيعة يدفعون ثمن الأسطورة… والهزيمة المحتومة
عندما يصطدم خطاب القوة المطلقة بواقع الانكسار، تبدأ مرحلة الإنكار الجماعي. تتمسك الجماعة أكثر بالرموز، وتبحث في الغيب عن إجابات تعجز السياسة عن تقديمها.
في المجالس والبيوت التي عاشت ثقل المواجهات، يردد العديد من أبناء الطائفة الشيعية بإيمان صادق أنّ السيد حسن نصرالله عائد مع الإمام المهدي قريباً. يدعون الله أن يقرّب الموعد، ويتمسكون بعبارة تمنحهم الأمل في لحظات الفقد والقلق: إنّ نصر الله لقريب.
عبر التاريخ، لم تكن السيطرة على الشعوب تحتاج دائماً إلى السلاح، بقدر حاجتها إلى السيطرة على العقول. ظهرت الديماغوجية في أثينا القديمة أداة بيد سياسيين أدركوا أنّ مخاطبة مشاعر الجماهير واللعب على الخوف والمظلومية أسهل من مخاطبة العقل والمنطق. ومع تطور الأنظمة ووسائل التأثير، تحولت الديماغوجية من خطابات حماسية إلى منظومات متكاملة توجه الوعي وتمنع النقد والمراجعة.
في لبنان، تتجلى هذه الآلية بوضوح في تجربة حزب الله وطريقة إدارته لبيئته الاجتماعية. لم يقدّم الحزب نفسه قوة عسكرية فقط، بل بنى منظومة عقائدية وإعلامية ومؤسساتية موازية للدولة. أصبح الفرد داخلها جزءاً من بناء مغلق، يُعرّف فيه الولاء السياسي باعتباره واجباً دينياً وأخلاقياً، بينما يتحول الاعتراض إلى خيانة والتشكيك إلى خروج عن الجماعة.
قام هذا النموذج على دمج السياسة بالقداسة. لم تعد القرارات العسكرية تُناقش وفق حسابات الربح والخسارة أو المصلحة الوطنية، بل جرى تغليفها بمفاهيم مثل التكليف الشرعي والصبر الاستراتيجي. ومع مرور الوقت، أعيد تعريف النصر والهزيمة. مهما ارتفعت أعداد الضحايا، ومهما اتسعت مساحة الدمار والانهيار الاقتصادي، يُقدّم الواقع على أنّه نصر إلهي أو مرحلة ضرورية في طريق طويل ومحتوم.
هكذا يجد المواطن نفسه أمام خيارين. إما أن يسير خلف الحزب ويؤيد قراراته، وإما أن يواجه التخوين والعزل الاجتماعي. وفي الحالتين، تدفع البيئة الشيعية الثمن الأكبر من أرواح أبنائها وبيوتها واستقرارها ومستقبلها، من دون أن تمتلك مساحة حقيقية للمساءلة أو الاعتراف بأنّ المسار انتهى إلى هزيمة كان يمكن تفاديها.
وهنا يصبح الألم وقوداً جديداً للرواية نفسها، فتُطلب من الناس تضحيات إضافية باسم الوفاء، بدلاً من محاسبة من قادهم إلى الكارثة المحتومة.
وعندما يصطدم خطاب القوة المطلقة بواقع الانكسار، تبدأ مرحلة الإنكار الجماعي. تتمسك الجماعة أكثر بالرموز، وتبحث في الغيب عن إجابات تعجز السياسة عن تقديمها. يتحول انتظار عودة القائد أو حصول معجزة تقلب موازين القوى إلى وسيلة نفسية للهروب من الحقيقة القاسية، وهي أنّ خيارات القيادة كانت مدمرة للمجتمع الذي ادعت حمايته.
خطر الديماغوجية لا يقتصر على جلب الحرب، بل يمتد إلى تدمير القدرة على التفكير النقدي. وحين يفقد المجتمع حقه في السؤال والمراجعة، يصبح رهينة الأسطورة ويدفع من حاضره ومستقبل أبنائه ثمن نزاعات لا تبني دولة ولا تحمي كرامة.
أما استعادة الأمان، فتبدأ بإعادة الاعتبار للعقل والدولة والقانون والمواطنة، من دون إنكار حاجة الناس إلى الإيمان. ويبقى نصرالله حاضراً في وجدان مناصريه، فيما ينتظر المجتمع إجابات سياسية تحمي مستقبله.

