التفاح اللبناني .. أزمة مزمنة تُعامَل كل أيلول كأنّها طارئ

التفاح اللبناني .. أزمة مزمنة تُعامَل كل أيلول كأنّها طارئ

  • ٠٧ تشرين الأول ٢٠٢٦
  • ماريا طوق

كاميرا «بيروت تايم» تجول بين الحقول والبرادات في منطقة بشرّي، وتسمع من أهل الأرض ما لا تقوله الأرقام

في أيلول من كل عام، مع انطلاق موسم القطاف الذي يمتدّ حتى منتصف تشرين الأول، يعود ملف التفاح اللبناني إلى الواجهة، ثم يتوارى مع انتهاء الموسم. هذه الدورة المتكرّرة من الاستنفار الموسمي والنسيان تختصر، بنظر المزارعين، جوهر الأزمة: ملف يُطرح كل سنة بوصفه طارئاً، فيما هو في الواقع أزمة مزمنة تتطلّب خططاً طويلة الأمد وتنمية مستدامة، لا مسكّنات عند كل قطاف.

وفي قضاء بشري تحديداً، لا يُختزل التفاح بمحصول زراعي. فمنذ أربعينيات القرن الماضي شكّل الشريان الاقتصادي الأول للمنطقة، وعلى ريعه قامت النهضة الاقتصادية والاجتماعية: بيوت شُيّدت، وأبناء تعلّموا وتخصّصوا، ومشاريع نشأت. أما اليوم، ومنذ نحو عقد ونصف العقد، فيصفه أبناء المنطقة بأنّه «يحتضر».

ثلاثة أوجه لأزمة واحدة

يشكو المزارعون وأصحاب البرادات من مشكلات متداخلة: أسعار منخفضة لا تغطّي الكلفة، وصعوبة في التصريف، واحتكار يتحكم بالسوق ويفرض أسعاره. وتتفاقم هذه العوامل في ظل غياب شبه تام للهيئات المحلية والوطنية عن وضع سياسات زراعية بعيدة المدى.

غير أنّ بعض المزارعين يضعون النقاط على الحروف: «المشكلة ليست في التصريف، بل في الأسعار المتدنّية، وهذه هي المشكلة الأساسية».

«أهل منطقة بشري كانوا يعيشون منها»

يقول أحد المزارعين: «في بشري، التفاح ليس مجرد محصول، بل هو العمود الفقري لاقتصاد المنطقة. من ورائه قامت بيوت، وتأسست عائلات، ونشأت دورة اقتصادية كاملة. منذ الأساس قامت منطقة بشري على زراعة التفاح؛ كل ما تعلّمه أبناؤها وتخصّصوا فيه، وكل البيوت والمشاريع التي أُنجزت، كانت بفضله. كانت التفاحة هي الشريان الإقتصادي الرئيسي لأهل المنطقة«.

ويضيف: «منذ خمس عشرة سنة حتى اليوم، تآكل العائد المادي للتفاح. وإذا بقي الحال على ما هو عليه، فلن يبقى مقيماً في بشري ومنطقتها كما هو واضح، هذا الواقع، قد يؤدي إلى نزوح اختياري تدريجي، إذ يغادر أبناء المنطقة قراهم بحثاً عن مصدر رزق بديل، وهذا الموسم، ثمة كثيرون قد لا يقطفون حقولهم».

ويربط مزارع آخر المسألة بالبقاء نفسه: «التفاحة بالنسبة لبشري لها علاقة بالوجود، بوجود الإنسان في بشري». ويقصد بذلك الوجود الإنمائي قبل أي شيء آخر، فالتفاح هو المحرّك الذي موّل التعليم والعمران والمشاريع، وإذا ضعف فقدت المنطقة قاعدتها التنموية وقدرتها على الاحتفاظ بأبنائها.

«الأحزاب غائبة كلياً»

في كلام المزارعين اتهام يتكرّر: القوى السياسية الحاضرة في المناطق المنتجة للتفاح «غائبة كلياً» عن هذا الملف. وهم لا يشكون من غياب في المواقف العامة، بل من غياب في الفعل إذ لا خطة مطروحة لتصريف الإنتاج، ولا ضغط يُمارَس لفتح أسواق التصدير، ولا مبادرة لتنظيم عمل البرادات أو تأمين الطاقة لها بكلفة معقولة.

ويرى المزارعون «أنّ المنطقة حاضرة سياسياً وانتخابياً بقوة، وأصوات أبنائها تُطلب في كل استحقاق، فيما يبقى مصدر عيشهم الأول خارج جدول الأعمال». وهم يذكّرون بأنّ التفاح هو الذي بنى المنطقة، ويسألون كيف يُترك من دون حماية «في وقت تُرفع فيه شعارات الدفاع عن الوجود والأرض».

ويتصل هذا الغياب، بحسب رأيهم، بثلاثة مستويات:

على المستوى المحلي: يشعر المزارعون بأنّ لا إطار جماعي فاعل، من بلديات أو اتحادات أو تعاونيات، يستطيع التفاوض باسمهم أو إنشاء بدائل مشتركة للتبريد والتسويق، فيبقى كل مزارع وحيداً.

على المستوى الوطني: يشكون من غياب سياسة زراعية واضحة، ومن أنّ الملف لا يُفتح إلا في أيلول وتشرين الأول ثم يُطوى حتى الموسم التالي.

على مستوى التمثيل: يتساءلون عن دور النواب والوزراء المنتمين إلى المنطقة أو المحسوبين عليها، وعن حصيلة ما قدّموه فعلياً للقطاع من قوانين أو موازنات أو اتفاقيات تصدير.

ويصف أحد المزارعين أنّ الناس يشعرون بأنّهم تُركوا لمصيرهم، حتى بات الصمود اليومي في الحقول «مقاومة» بحدّ ذاته.

الكلفة من البستان إلى البراد

تتجلى الأزمة بوضوح في حسابات الكلفة. فبحسب أحد أصحاب البرادات، قد لا يستطيع المزارع أحياناً تصريف موسمه في وقته، فيضطر إلى تخزينه في البراد على أمل أن تتحسّن الظروف فيبيعه بسعر أفضل. لكن التخزين نفسه عبء ثقيل: «اليوم، إذا كان سعر برميل المازوت ٣٥٠ دولاراً، يصير البراد شريكاً لك في الموسم».

ولا تتوقف المفارقة عند كلفة المازوت. فبحسب صاحب البراد نفسه، تجري في قلب القضاء مياه تنحدر نحو القرى، وتقوم عليها ثلاثة معامل، أُعيد تأهيل أحدها منذ فترة وبدأ بالعمل. لكن الإنتاج، كما يقول، لا يكفي لتغطية حاجة البرادات، ولا يخفّف من فاتورة الطاقة إلا جزئياً، فتبقى المنشآت مرتبطة بالمولّدات والمازوت. ويضيف أنّ وصول الكهرباء إلى المعمل نفسه استغرق سنتين.

ويسخر من الخطاب الرسمي: «يطلّ وزير الطاقة ويقول إنّ المنطقة فيها مياه، ثم يمنحنا عشر ساعات كهرباء». وفي المحصّلة، يقول «إنّ صاحب البراد، حين يضيق به الحال، يعرض على المزارع مساعدته بأن يتقاضى ثلاثة دولارات بدل خمسة، أي أنّ عجز كلفة الطاقة يُحمَّل في النهاية الحلقة الأضعف».

«نقاوم بالتفاحة»

يختم المزارعون بنبرة لا تخلو من المرارة: «لم نعد قادرين على الصمود بهذه الشعارات الكبيرة. هل يمكن أن نعوّل على سوق لا نفتحه نحن؟ أهلنا هنا يقاومون بالتفاحة، وكل يوم هو فعل مقاومة».

ويوجّهون نداء واضحاً: «على الجهات المعنية والمسؤولين أن يتحرّكوا ويقرّروا ما يريدون فعله. لقد أنتجنا هذا التفاح بحبّ كبير، لكن إلى هنا فقط. من الآن فصاعداً لا نستطيع الاستمرار على هذه الحال».

أما المطلوب فيجمع المزارعون على أّنّ الحل لا يكون بإجراءات موسمية، بل بخطة متكاملة تشمل: تنظيم عمل البرادات وكسر الاحتكار في تحديد الأسعار.

تأمين الطاقة بكلفة معقولة لقطاع التبريد والتخزين، ومنها رفع إنتاج المعامل المائية القائمة.

فتح أسواق تصديرية جديدة وتفعيل الاتفاقات التجارية.

إنشاء تعاونيات قوية تمنح المزارعين قدرة تفاوضية وبدائل جماعية للتبريد والتسويق.

دعم التصنيع الغذائي (العصائر، الخل، المجففات) لاستيعاب الفائض.

وإلى أن تتحقق هذه الخطوات، يبقى موسم التفاح في بشري موسماً مزدوجاً: قطاف في الحقول، وسؤال مفتوح عن مستقبل التفاح مع الأجيال المقبلة هل سيستمر الاستثمار بالتفاح أم سينتهي كما انتهت مواسم الحرير منذ عقود.