تحدّيات الصحة النفسيّة في لبنان: التأثير المتعدّد للصدمات

تحدّيات الصحة النفسيّة في لبنان: التأثير المتعدّد للصدمات

  • ٠٥ شباط ٢٠٢٤
  • كاسندرا حمادة

ينمو الأطفال في لبنان في ظروف مشحونة بالخوف والقلق المستمرّ، نتيجة لتأثير الصدمات التي عاشها الأهل منذ إندلاع الحرب الأهلية في العام 1975، مروراً بإنفجار مرفأ بيروت في عام 2020، وصولاً إلى سلسلة الإغتيالات والزّلازل والقصف الإسرائيلي. هل يمكن أن نعتبر «الصدمة» أو «التروما» قنبلة موقوتة تهدّد سلامة المجتمع اللبناني؟

ما هي الصدمة؟

 

التروما أو إضطراب ما بعد الصدمة وهي حالة إضطراب نفسي تنشأ نتيجة تعرض الفرد لصدمة شديدة أو حادث مؤلم. وأعراضها متنوّعة ومتكرّرة تشمل الذكريات المؤلمة المتكرّرة أو تجنّب العودة إليها ،والإنزعاج العاطفي الحاد و يشمل الشعور بالخوف والغضب والعجز والحزن المستمر،و زيادة الوهن والتوتر وإضطراب النوم، وتوتر العضلات، والصداع المستمر والمشاكل في التركيز والإنتباه.

تأثير الصدمة حسب كل فئة

تشرح المعالجة النفسية «نادين غنيمة» في حديث لـ«بيروت تايم»، أنّ الصدمة (trauma)، لا تعني الحدث بحدّ ذاته، بل «التروما» هي كيفية تلقّي الفرد أي حدث مفاجئ. وعلى سبيل المثال، عندما سمع الناس صوت إنفجار مرفأ بيروت  في 4 آب  2020، لم يتأثّر الجميع بالطريقة نفسها، إذ إنّ هذا يعود الى شخصية كل فرد وكيفية تلقّيه الحدث بحسب شخصيته، ما قد يسبّب عوارض مختلفة لكل حالة على حدى.  

إذ إنّ الأطفال هم الفئة الأكثر تأثّراً بهذه الحوادث المفاجأة. لأنّ عقل الطفل غير مهيّأ لها، على عكس الراشدين الذين إعتادوا هذه المشاهد والأصوات منذ أيام الحرب. كما أنّ الطفل لا يملك قدرة تحليلية كافية للأمور التي يشاهدها،  فيتسرّب الحدث الى عقله، وتترسّخ الصورة في ذهنه، ثمّ يستمر بالعيش في  دائرة من التخيّلات لا يمكن التحكّم بها. ولكن الإيجابي في هذه الحالة ، أنّ الطفل قادر على التعبير  عن خوفه من خلال عدّة عوارض منها: التبوّل اللاإرادي، الخوف من الذهاب الى المدرسة.. ما يساعده أكثر على تخطّي الأزمة. 
لا بدّ من الاشارة هنا، أنّ الفئات الأكبر سنّا بعدما عايشت سنوات من الحرب، لم تتوقّع العودة إليها ، لذا سماع دوي إنفجار، في مثل هذه القوّة، قد يؤدي في بعض الحالات الى تجمّد  الجهاز العصبي، أو الجسدي أو العاطفي.  وتختلف ردّة الفعل على الصدمة بحسب الحالة التي يكون فيها الجسم عند الحدث.

ونلاحظ أن الجسم لا يعبّر مباشرة عن خوفه وقلقه عند وقوع الحدث، في حين تركن كلّ هذه المشاعر في العقل الباطني للإنسان (subconscience )، وعند مواجهة أي حدث شبيه به تعود إليه أدق تفاصيله المؤلمة.

 

مظاهر الصدمة 

تصنّف «غنيمة» المجتمع اللبناني بال«  traumatic society» ، حيث تتكرّر حوادث كثيرة مثل الإنفجار، الحرب، الزّلزال، الأحداث الأمنية...مما يزيد نسبة القلق ، لذلك نشهد الإزدياد الملحوظ لحالات الإكتئاب الكثيرة في المجتمع اللبناني يوماً بعد يوم.

تأثير «التروما» على عقل الإنسان يمكن أن يكون عميقاً ومعقداً. قد يؤدي التعرّض لصدمات متكرّرة إلى تحطيم الثقة والأمان النفسي، وتغيير طريقة التفكير والتوجه العقلي للفرد. كما يمكن أن ينعكس ذلك  في السلوكيات مثل الإعتماد المفرط على الحلول السريعة وتأجيل التفكير في الحلول الأكثر استدامة ، مثل إستخدام المولدات بديلاً عن إنقطاع الكهرباء دون النظر إلى التأثيرات السلبية أو التكاليف المحتملة ، نظرًا للتركيز على تلبية الإحتياجات والنجاة الفوريين، بدلاً من التفكير بطرق طويلة المدى لمعالجة الأزمات وهذا على سبيل المثال لا الحصر .

وتنصح «غنيمة» أن يسعى مَنْ يعاني من تأثيرات الصدمة الى التعافي النفسي من خلال طلب المشورة المناسبة من المتخصّصين في الصحة النفسية والدعم المجتمعي لمساعدتهم في إستعادة التوازن العقلي والتفكير بطرق أكثر شمولية وإستدامة. 

هل الصدمة متوارثة؟ 

توضّح «غنيمة» أنّ الصدمة تنتقل من جيل إلى جيل عبر التربية. فالأهل الذين عاشوا في ظروف الحرب، ينقلون تلقائياً  الخوف والقلق إلى أبنائهم . وبما أنّ الأولاد لا يملكون أي قدرة على التحليل، يتعمّق قلقهم، وهم غير مدركين أسبابه الحقيقية.


غياب خلايا لمعالجة الأزمات

من جهة أخرى، تعتبر الدكتورة في علم النفس الإجتماعي «ماي مارون» في حديث ل«بيروت تايم»، أنّ المجتمع اللبناني إعتاد على الأزمات، ورغم الصدمة الهائلة التي أحدثها إنفجار مرفأ بيروت، فهي  حادثة  في سلسلة طويلة من الأزمات التي سبّبت صدمات متكررة عند اللبنانيين، من إجتياح لبنان عام 1985، الى حرب تموز عام 2006، الى تدمير الجسور وضرب المطار...  

إنّما الوقع القوي  والصادم للإنفجار، يعود  الى أنّه كان غير متوقع وهائل مما زاد منسوب القلق عند المواطنين، وزاد الخشية من تكرار حدث مماثل يؤدي الى جروحات تضاف الى سابقاتها.
وتؤكد الدكتورة «مارون» أنّ المشكلة الحقيقية إزاء هذا الوضع تكمن في  غياب خلايا معالجة الأزمات في المجتمع اللبناني، نتيجة قلّة الإمكانات المادية، في وقت بات فيه العلاج النفسي ضرورة ملحة نتيجة تراكم الصدمات.