بيروت بعد الحرب.. لكلٍ شارعه وحيّه

بيروت بعد الحرب.. لكلٍ شارعه وحيّه

  • ١٣ نيسان ٢٠٢٤
  • غادة حدّاد

بعد الحرب الأهلية، قُسّمت محطّات النقل المشترك طائفياً. واحدة للمسلمين في "الكولا"، وأُخرى للمسيحيّين في "الدورة".. فيما الطرفان يدفعان أثمان البنى التحتيّة المُعطَّلة.

يعرّف عالم الاجتماع الفرنسي هنري لوفيفر، «الحق في المدينة» بأنّه خلق لفضاء ديمقراطيّ تعدّدي، يتمتع فيه جميع السكان بالمساواة في الحقوق والفرص والمنافع. أن يكون لنا مدينة، يعني الحقّ في السكن والعمل والترفيه والتفكير والتجمّع والتنقل فيها. بعد إنتهاء الحرب الأهلية، دخل البلد في فترة إعادة الاعمار، ورغم إندثار خطوط التماس صورياً، فصلت المناطق عن بعضها، بحكم الطرقات، وابتعد الناس أكثر عن بعضهم بحكم النقل العام.
القدرة على الإنتقال من شرق بيروت إلى غربها بشكلٍ مباشر، هو شكل من الترف لمن إمتلك وسيلة نقل خاصة. والباقون إما يعتمدون على النقل المشترك، أم سيراً على الأقدام. تقسَّم الطرقات وأحياء بيروت، وتمنع تواصل سكانها مع بعضهم، معززةً الشرخ بين فئات تقاتل يومها، وتتخاصم دوماً.

نمط الفصل
يعاني لبنان من نمط في شقّ الطرقات والأوتوسترادات العريضة أدت إلى فصل المناطق والأحياء عن بعضها بشكلٍ تام، كما حصل في مار مخايل بعد أن فصل الأوتوستراد بينها وبين الكارنتينا، بحسب مهندسة معماريّة متخصّصة بتنظيم المُدن والسياسات المدينيّة سهى منيمنة، إذ سابقاً كان السكان يعتبرون أنفسهم حيّ واحد وكتلة واحدة. وتقول منيمنة في حديث لـ «بيروت تايم» «هذا النمط بدأ مع خطة وضعت في الستينيات لتوسعة الطرقات والاوتوستردات بشكلٍ عام، وتوقفت الخطة بحكم الحرب الأهلية».
بعد الحرب كان التركيز على إعادة إعمار المباني، وكل مشاريع شقّ الطرقات السابقة توقفت، ومنذ عشر سنوات عاد الحديث عن إعادة العمل بها، علماً أنّ الحديث عن خطط وضعت في الستينيات غير منطقيّ، مع كلّ التغيّرات العالمية في خطط للنقل العام والتنقل السلس، وهذا ما لم يتمّ التطرّق له في الخطة الجديدة، وكان هناك نيّة بالعودة الى المشاريع القديمة مثل أوتوستراد فؤاد بطرس، الممتد من الحكمة في الاشرفية الى مار مخايل، أتوستراد بترو طراد، وفي فترة الستينيات إستملكت العديد من العقارات على هذه الخطوط، ولم تنفذ هذه المشاريع.
تؤكد منيمنة أنّنا «لسنا بحاجة إلى طرقات جديدة، بل إلى تنظيم، والخروج من عقلية تحصر التنقل  بواسطة السيارة الخاصة فقط، فهذا المنطق يبقي العمل على شقّ الطرقات، وتحوّل المدينة إلى شبكات طرق سيارات فقط، وتختفي الأحياء والمساحات العامة والمشاة معاً». وفي السنوات الأخيرة، تحوّلت المساحات العامة إلى مواقف للسيارات، فيما شقّ الطرقات لديه إنعكاس سلبيّ لناحية التنقل، إذ يزيد من زحمة السير، خاصة بغياب خطة نقل عام بديل وسلس، «هذه المقاربة الوحيدة التي تتطرّق لها الحكومات في موضوع النقل، وهي مقاربة قديمة».
أساساً الفكرة خلف شق الطرقات، هي الوصل بين أحياء معينة، وليس الفصل كما هو الحال اليوم، تقول منيمنة، إضافةً إلى خلق وسائل نقل للناس، على أن تكون مساحة مشتركة، إذ يشق حولها أرصفة ومساحات عامة ليتمكن المواطنون من إختبار المدينة سيراً على الأقدام، وليس الهدف فقط الإنتقال من نقطة «أ» إلى نقطة «ب».
لا تعتبر منمينة أنّ هذا الفصل كان مقصوداً، «بل مجرد عمل لأشخاص ليس لديهم الإلمام والعزيمة والخبرة الكافية لإدراك أنّه يجب العمل على مقاربة جديدة، وخطة عامة تعتمد على هذه الرؤية، وطرق لتحفيز الأرصفة». تهجير المواطنين من بيروت أتى ضمن موجة عالمية، مع دخول السيارات إلى المدن، وكان لا بدّ من شقّ طرقات معينة في أماكن معينة، ولم يحصل الأمر بطريقة حديثة. في وقت يجب على الطرقات اللحاق بالحياة، وليس العكس، لكن شقّ الطرقات ضمن أحياء مسكونة هي كارثة بحد ذاتها، وإلى جانب الفصل، هناك تهجير قسريّ للناس في نظام لا يأخذ بعين الإعتبار أي تفصيل في موضوع حقّ السكن، وهذه جريمة بحد ذاتها. 

ضياع في الخطط
عام 1994 وضعت دراسة بين شركات إستشارية لبنانية بالتعاون مع Île-de-France، ووضعت خطوط النقل المشترك في بيروت بناءً على العرض والطلب، وكان يفترض أن تعمل مصلحة سكة الحديد والنقل المشترك عليها، لكنها لم تطبق 100 في المئة، بحسب العضو المؤسس في جمعية حقوق الركاب  شادي فرج، ويضيف في حديث لـ «بيروت تام» أنّ الباصات كانت النقطة الأولى في الخطة، «وبدأ العمل بالنقل المشترك، لكن لم يجهزوا الباصات المطلوبة، فصفقة باصات «الكروسا» كانت مليئة بالشوائب، فلم تكن مناسبة للطقس أوالطرقات، ووصل نصفها معطلاً، ويومها أعطى الرئيس الراحل رفيق الحريري رخصة لشركة خاصة، مما ولّد صراعاً بين الخاص والعام، إضافة إلى وجود باصات النقل المشترك الخاصة ذات اللوحات الحمراء، التي بقيت تعمل منذ ما قبل الحرب».
بعد الحرب بدأ العمل على خطوط للنقل المشترك، لكن المشاكل حولها حالت دون المضي قدماً بها. كما لم تحصل على الدعم المطلوب، خاصة بعد تبيّن أنّها تدرّ الكثير من المال، فأراد الجميع الإستفادة منها. 
وبعد عام 1994، صدرت اللوحات الحمراء، يقول فرج، تزامناً مع إقرار خطة النقل، ودخلت باصات خاصة على سير عمل الخطوط المنصوص عليها في خطة الدولة، وجزء منها لا يزال يعتمد حتى اليوم. ويحتاج القطاع إلى تطوير بعض النواحي، فالمدينة تغيرت بعد الحرب، كما معالمها، وتهجّر سكانها وازدادت الأبنية وعدد السكان ، وعليه يجب أن تتطوّر خطوط النقل وفقاً للمتغيرات، لكن «للأسف لا أحد يدرس هذا الأمر بشكل علمي، وهذا من ضمن صلاحيات وزارة النقل، المفترض أيضاً أن تحدّد سعر النقل، ويجب أن يُعمل على تطوير القطاع كل فترة، إرتباطاً بالتطور العمراني والمدنيّ، ودراسة تغيرات العرض والطلب، وحجم الإنفاق المتوقّع المنصوص في الخطط الحكومية». 
النظرة الإقتصادية تؤثر على كلّ شيء، وخطة عام 1994 كانت جزءًا من خطة إعادة الاعمار، وفي وقت كان التوجّه العام للإقتصاد نحو الخصخصة، كان العمل على مشروع النقل العام المشترك يشوبه تناقض، ويصفه فرج بتضعضع السلطة في تحديد مساره الواضح، كما لعبت المصالح الإقتصادية الأخرى دوراً في تحديد هوية النقل، من الاستفادة من الزحمة والسيارة بشكلٍ عام، خاصة مع اعتماد السيارة الخاصة كوسيلة نقل أساسية، وهذا له إنعكاساته على الإقتصاد وكلفة النقل وغيرها، من ناحية عدد السيارات التي تباع والقروض المصرفية التي أعطيت لها، فكما كان هناك مخطط «بونزي» على المالية العامة، كان هناك مخطط «بونزي» على النقل، وكان التشجيع لشراء السيارات عوضاً عن النقل المشترك، وكان يراد منه الإستفادة بشكلٍ مباشر ، إن من ناحية ضريبة ل 5000 ليرة على البنزين، إلى الاستفادة من إرتفاع عدد السيارات ورفع مداخيل الدولة، إضافة إلى الجمارك والقروض المصرفية والميكانيك، ومصالح كارتيلات النفط من بيع البنزين.
الشرخ بين المواطنين في العاصمة يمكن تلمّسه من نقاط توقّف الباصات. قبل الحرب كانت تقف الباصات في ساحة البرج وساحة دباس في وسط بيروت. بعد الحرب، إنتقلت المحطات إلى الدورة والكولا، في عملية فصل للناس بين بيروت شرقية وغربية، وتحديد محطة للمسلمين ومحطة للمسيحيين. وبعد تغيّر كل معالم وسط بيروت، وطرد الناس منها، توجهوا طائفياً إلى خارجها.