لبنان والخليج.. ثقة تُبنى ببطء وتهتز بسرعة
لبنان والخليج.. ثقة تُبنى ببطء وتهتز بسرعة
ترميم العلاقات مع الخليج، عبر التزامات سياسية وأمنية في محاولة لفصل الدولة عن أي نشاط ميداني خارج إطارها.
منذ أشهر، أعلن حزب الله استعداده لفتح صفحة جديدة مع السعودية، وتحدث عن ضرورة تحسين العلاقات مع دول الخليج. يومها، بدا الخطاب وكأنّه محاولة لخفض التوتر وإعادة التموضع سياسياً. لكن ما انكشف لاحقاً على الأرض، يرسم صورة مختلفة تماماً، حيث عادت خلايا مرتبطة بالحزب والحرس الثوري الإيراني إلى الواجهة، في أكثر من دولة خليجية، وبوتيرة متسارعة.
خلال أقل من شهر، أعلنت البحرين والكويت وقطر والإمارات عن ضبط تسع خلايا إرهابية، بمعدل خلية كل ثلاثة أيام. في البحرين، تم توقيف ثلاثة أشخاص ضمن خلية تُعد الثالثة خلال فترة قصيرة، بتهم التخابر مع الخارج وجمع معلومات عن منشآت حيوية، إلى جانب التحضير لعمليات اغتيال. في الكويت، لم تكن الصورة أقل خطورة، مع إحباط مخططات استهدفت قيادات الدولة وتضمنت عمليات تجنيد وتخطيط لاعتداءات مباشرة. أما في قطر، فقد تم توقيف خليتين تعملان على جمع معلومات عن منشآت عسكرية، فيما كشفت الإمارات عن تفكيك شبكة ممولة وتدار من قبل حزب الله وإيران.
هذا النمط لا يوحي بعمل فردي أو معزول، بل يعكس بنية منظمة تعتمد على الخلايا النائمة التي تنتظر لحظة التنفيذ، وعلى الطابور الخامس الذي يعمل على التغلغل داخل المجتمعات، جمع المعلومات، والتأثير على الداخل من دون إثارة الشبهات. المهام تتراوح بين التجسس، التخطيط لاغتيالات، ومحاولات ضرب الاستقرار الاقتصادي، ما يجعل الخطر متعدد الأبعاد.
والتناقض يظهر بوضوح بين خطاب سياسي يتحدث عن انفتاح وتهدئة، مقابل نشاط ميداني يعيد إنتاج أدوات الضغط والتأثير. هذا التناقض لا يُقرأ فقط من زاوية أمنية، بل ينعكس مباشرة على موقع لبنان في علاقاته الخليجية. فمع كل خلية يتم كشفها، تتراجع الثقة بقدرة الدولة اللبنانية على الفصل بين نفسها وبين هذا النشاط، حتى لو لم تكن مسؤولة عنه بشكل مباشر.
التداعيات لا تقف عند حدود السياسة، بل تمتد إلى الاقتصاد والمجتمع، خصوصاً في ظل اعتماد لبنان الكبير على علاقاته مع الخليج، وعلى الجاليات اللبنانية العاملة هناك. أي اهتزاز في هذه العلاقة ينعكس فوراً على الداخل اللبناني، ما يرفع منسوب القلق لدى اللبنانيين أنفسهم.
في المقابل، تحاول الدولة اللبنانية إعادة تثبيت هذا التوازن. برز دور رئيس الحكومة نواف سلام في إعادة ترميم العلاقات مع الخليج، من خلال خطاب واضح والتزامات سياسية تعيد التأكيد على أهمية هذه الشراكة. إلى جانب ذلك، جاءت تحركات وزير الداخلية أحمد الحجار، وزياراته السابقة إلى دول الخليج، لتؤكد وجود مسار عملي موازٍ يقوم على تعزيز التعاون الأمني وتبادل المعلومات، في محاولة لفصل الدولة عن أي نشاط ميداني خارج إطارها.
في النهاية، لا تبدو القضية مجرد خلايا أمنية يتم تفكيكها تباعاً، بل اختبار مستمر لموقع لبنان نفسه. بين ما يُقال في العلن وما يُكشف في الكواليس، تبقى العلاقة مع الخليج معلّقة على ميزان دقيق: ثقة تُبنى ببطء، ويمكن أن تهتز بسرعة.

