نهاية موسم البطيخ.. نصرالله يبرر انتصاره

نهاية موسم البطيخ.. نصرالله يبرر انتصاره

  • ٢٦ آب ٢٠٢٤
  • جو حمّورة

الإنتصارات الحقيقية تفرض وقعها على الناس ونتائجها ستبدو واضحة للجميع.

في زاوية حيّنا، يوجد بائع بطيخ يزورنا كل صيف. يتمركز عبد الله في مكانه المخصص، ويجلس كل يوم خلف عربته الخشبية، ويبدأ بإغواء الناس لشراء ما يملكه. «عالسكين يا بطيخ»، «أحمر ومقشّر»، «قلب أحمر معسّل»، وغيرها من الأقوال تُسمع في تلك الزاوية. فعبد الله لا يريد شيئاً سوى إقناع المارة بأنّ ما يملكه من بطيخ لا مثيل له في الدنيا، هذا على الرغم من معرفتنا جميعاً أنّ كل بائعي الخضار والفواكه في المنطقة يأتون بمنتجاتهم من مصدر واحد.

على المنوال نفسه، بدا حديث أمين عام «حزب الله» بالأمس كمن يسوّق لفكرة غير مقنعة للجمهور أو حتى له. بدت سرديته ركيكة، كثيرة التفاصيل غير المفيدة، وكأنّها شرح لمادة علوم الحياة لأحد الصفوف الابتدائية. بدا «الانتصار» باهتاً وغير مقنع، فأي نصر في الدنيا بحاجة إلى شرح وتبرير!؟

تفرض الانتصارات الحقيقية وقعها على الناس. فالانتصار شعور يحسه الجمهور من دون الحاجة إلى إقناعهم به. والمنتصر فعلاً، ليس بحاجة لشرح انتصاره أو إقناع أحد به. لو كان النصر واضحاً وحقيقياً، لما تطلب الأمر 56 دقيقة من التبرير والشرح، قادها حسن نصرالله من وراء منبر مخبئه ومكتبه الخشبي. تماماً كما لو كان بطيخ عبد الله مميزاً، لما تطلب منه الصراخ طوال النهار بأنّ منتجه كذلك.

حتى المظاهرة الليلية بالدراجات التي انطلقت بعد نهاية الخطاب في الضاحية الجنوبية لبيروت، كانت جد محدودة عدداً ومضموناً. فبالمقارنة مع المظاهرات المماثلة خلال فترة ثورة 17 تشرين وما تلاها، أو خلال الهجوم على منطقة عين الرمانة المجاورة، كانت تلك التي أقيمت بالأمس أقل عدداً وزخماً.

الانتصارات تفرض وقعها ولا تحتاج إلى تبرير. ما الحاجة إلى الادعاء بأنّ منصات «حزب الله» ومهابط مسيراته لم تُمس بالأمس؟ أيعقل أنّ دولة بهذه القدرات التكنولوجية مثل إسرائيل لم تستطِع كشف أي قاعدة للحزب من تلك التي لا تبعد سوى بضعة كيلومترات عن حدودها، وهي التي علِمت في أي طابق يختبئ فؤاد شكر وفي أي غرفة ينام إسماعيل هنية؟

بَيع نصرالله لسرديته البارحة كان غير موفق، على الرغم من أنّه يتقن ذلك فعلاً، وأتقنه في السنوات الماضية. أقنع الرجل جمهوره بأنّه انتصر في حرب تموز 2006، وأنه حرر الجنوب عام 2000، وأنّه «وطني» على الرغم من عمق ولائه الظاهر والباطني، على حدٍ سواء، للجمهورية الإسلامية في إيران. الرجل ذكي، متزن، يقيس كلامه ويتقن مخاطبة الجمهور، أو هكذا كان على الأقل. لا تبدو هذه الأيام في صالحه، ربما لأنّ عصر وسائل التواصل الاجتماعي السائد يمكنه أن يُكذّب أي أحد، أو ربما لأنّ قادة إسرائيل أكثر ذكاءً منه، أو، ببساطة، لأنّ الجمهور اللبناني والعربي ما عاد يحتمل مغامراته، ولا يريد أن يصدقه حتى لو أقسَم باسم ربه.

كيف نصدق نصرالله بالأمس، ولم نرَ أي صورة أو فيديو لعملية استهداف قاعدة «جليلوت» الاستخباراتية أو قاعدة الدفاع الصاروخي في "عين شيمر"، وهو الذي قال إنّ مسيرات الحزب استهدفتهما؟ أين الدليل على استهداف هاتين القاعدتين؟ أيعقل أنّ أخصام رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، في المؤسسة العسكرية والحكومية، لم يستغلوا استهداف «حزب الله» للعمق الإسرائيلي من أجل إضعاف موقع رئيس حكومتهم؟ ببساطة لا، ليس لأنّ القادة الإسرائيليين نبلاء، إنّما لأنّ مسيرات «حزب الله»لم تصل إلى أي مكان ذي أهمية.

ربما يكون العيش تحت الأرض لسنوات طويلة قد أثر على نصرالله بشكل أو بآخر. لا جدل في أنّ الرجل مميز وقوي، وله سلطته على حزبه وعلى طيف واسع في لبنان وفي المنطقة، لكنه يبدو، في الأشهر القليلة الماضية، بعيداً عن الواقع بعض الشيء. تنقصه الواقعية والتواضع، وتزيد فيه، للأسف، كثرة المبالغة والتعميم والأوهام. يريد الرجل اجتياح إسرائيل حسب كلامه التهديدي الذي قاله بالأمس وفي خطابات سابقة، ربما الأفضل لو يبحث عن طريقة لتمويل إعادة بناء قرى عيترون، وعيتا الشعب، وكفركلا، وحولا، وميس الجبل... فمساعدة سكان تلك القرى وجيرانهم أبدى من أي مغامرة لا قدرة لأحد على خوضها.

مع قرب انتهاء مغامرات «حزب الله» الحالية جنوب لبنان، وتراجع حدة الاشتباكات وبقاء الحال على ما رسا عليه، ينتهي موسم البطيخ، ويتحضر عبد الله ليبيع منتجاته الجديدة من جوز وعنّاب... فيما نصرالله سيبيعنا سردية جديدة بعد حين، جلها سيكون حول المستكبر الأميركي والمتغطرس الإسرائيلي والكثير من الصراخ والأقوال الدينية المأثورة والمتناقلة التي لا يفهمها إلا قلة من الناس.