حرب الموهومين على الحدود اللبنانية - السورية.. صراع على فُتات
حرب الموهومين على الحدود اللبنانية - السورية.. صراع على فُتات
إنّ هذه المعارك الحدودية لا تعدو كونها صراعاً على فُتات، يظل مستقبلها قاتماً بلا أي مسار حقيقي للأمام. وفي الوقت الذي يعكف فيه الجميع على محاربة الوهم، يظل الواقع يثبت أنّ النوايا الطموحة التي يتمسك بها هؤلاء ما هي إلا سراب في صحراء من الفوضى والرصاص المُطلق هباءً دون أثر يُذكر.

من يرى أسلوب عمل عشائر البقاع، وما تبقى من «حزب الله» أو قوات الجيش السوري، يظن أنّ هذه القوى الثلاث لديها القدرة على فعل شيء ذي أثر. فمنذ الأمس، وقعت اشتباكات على جانبي الحدود اللبنانية – السورية، راح ضحيتها بضعة أفراد وسط إطلاق نار وصواريخ عشوائية، وذلك دون غاية أو هدف واضح وطموح.
وللحق، هؤلاء الثلاث موهومون بكل ما للكلمة من معنى. هم موهومون بقدراتهم وأفكارهم وطموحاتهم. أي نموذج أو إنجاز قد تحققه عشائر البقاع سوى الإبقاء على حصتها من عائدات التهريب بين حدود البلدين؟ وأي قدرة لديها على مقارعة «جيش» سوريا الثائر والمنتشي هو الآخر بالفوز والانتصار والثورة والسيطرة على دمشق، والذي يظن رئيسه، أحمد الشرع، أنّه حقق إنجازاً لوحده غافلاً دوره الثانوي أمام الطموحات والأدوار التركية والأميركية والروسية؟
في المقابل، سارع «حزب الله» المهزوم إلى نفي دوره عن أي عمل عسكري قد تمّ قرب سوريا أو داخل حدودها، فترك العشائر لتتدبر أمرها لوحدها. ربما تعلّم الحزب من تجربة حربه الأخيرة مع إسرائيل، وبات على يقين أنّ الدخول في حروب غير محسوبة تكلفته باهظة. لا يعني هذا الأمر أنّ الحزب غائب عن السمع أو عن لعب أي دور حقيقي في المواجهات الأخيرة، بل يعني أنّه لا يريد تصدُّر المشهد هناك، ويكتفي بالدعم من بعيد.
أما على الجانب السوري، فتبدو «قوات الشرع» حتى اللحظة أقرب إلى ميليشيات وعصابات لا إلى جيش. لم يستطِع الرجل تحويل «هيئة تحرير الشام» وبقية الفصائل السورية إلى جيش حقيقي، بل لا تزال النزعة الميليشياوية طاغية عليها. ما جرى في الساحل السوري الأسبوع الماضي خير دليل على ذلك، وما يحصل على الحدود اللبنانية السورية يؤكد المؤكد أيضاً.
من الواضح أنّ هذه الفصائل والعناصر التي تتراشق على حدود لبنان وسوريا تتسم بالتردد والضبابية في أهدافها، وكأنّها تبحث عن معركة قد تكتب لها تاريخاً، لكنها في الحقيقة لا تملك سوى ردود أفعال متوترة تفتقر إلى التخطيط أو الفهم العميق للواقع المعقد المحيط بها. فبينما يحاول كل طرف أن يظهر بمظهر القوي، يؤكد الواقع أنّ الجميع غارق في أوهام كبرى لا يمكن لها أن تستمر طويلاً.
في حين يواصل «حزب الله» إحجامه عن الإنخراط المباشر في الإشتباكات، يظلّ في الظل يحاول استثمار أي فرصة لزرع النفوذ والهيمنة وتعويض ما لحق به من خسائر، فهو يعلم جيداً أنّ أي تصعيد قد ينقلب عليه، تماماً كما حدث في صراعاته الماضية. قد لا يكون «حزب الله» بعيداً عن التدخّل، لكن مصلحته اليوم تقتضي الحفاظ على صورته كحزب مقاومة بعيد عن الأضواء المباشرة، تاركاً المجال أمام آخرين للوقوع في فخ الصراع المفتوح.
أما من الجانب السوري، فالتداعيات واضحة. «قوات الشرع» التي تواصل العمل كمجموعة من الفصائل المتعددة الميول، تفتقر إلى القيادة الموحدة والرؤية الإستراتيجية التي يمكن أن تحوّلها إلى قوة حقيقية. عملياتها على الأرض تؤكد أنّ القوة العسكرية لا تكفي لبناء دولة أو حتى للمحافظة على استقرار في ظل التشتت الكبير الذي يعاني منه النظام الجديد. تلك القوات تظل عبارة عن ميليشيات يسيطر عليها الولاء الشخصي والهدف المشترك الظرفي غير الواضح والقصير المدى، ما يجعل من أي محاولة لإحراز تقدم سياسي أو عسكري شبه مستحيل.
بالواقع، إنّ الأوضاع على الأرض تشير إلى حقيقة مفادها أنّ هذه الأطراف كلها رهينة للأوهام التي تعيشها، وكلما حاولت دفع الأمور نحو المواجهة، ازدادت الهوة بينها وبين الواقع الذي يفرض نفسه عليها. أما الواقع فهو أنّ هذه الأطراف ضعيفة ومرهونة لمن هم أكبر منها ولا مقدرة عندها على إحراز أي إنجاز حقيقي.
إنّ المناوشات المستمرة على الحدود اللبنانية – السورية، التي لا تكاد تنقطع إلا لتعود بشكل أكثر عنفاً، لا تحمل في طياتها أفقاً حقيقياً لأي حلّ أو تغيير استراتيجي. فهذه المعارك التي يتمّ خوضها بين هذه الأطراف المتقاتلة ما هي إلا صراع على خطوط التهريب. وكأنّ الحدود لم تُرسم إلا لتكون مساراً لتهريب البشر والأسلحة والمخدرات، ما يضع هذه المناوشات في خانة الحروب الهامشية التي لا تقدّم ولا تؤخر، بل تزيد من تعقيد الوضع الأمني والإقتصادي في المنطقة.
من جهة أخرى، تبدو أفكار وطموحات هذه القوى المتقاتلة مجرد أوهام غير قابلة للتحقيق في ظلّ الواقع الراهن. تلك الطموحات التي يرفعها «حزب الله» وحلفاؤه أو «قوات الشرع» وأتباعهم ليست أكثر من تكرار لنفس الشعارات المرفوعة في كل صراع سابق. الجميع يتحدث عن التحرير والسيطرة والهيمنة، بينما لا يفعلون سوى أن ينغمسوا في حروب عبثية لا تسهم في بناء مستقبل حقيقي لأي طرف. من الواضح أنّ هذه القوى تعيش في فقاعة من الطموحات التي لا ترتبط بالواقع، وتوهم نفسها بأنّها قادرة على إعادة رسم خرائط ومعادلات وفقاً لرغباتها.
ومع مرور الوقت، سيصبح من الصعب أن نرى أي إنجاز ملموس لهذه الجماعات، فالحروب لا تؤدي إلا إلى مزيد من الدمار والانقسام، خاصة وإن كانت حرباً دون أفق لن تنتهي لا بدخول قوى لبنانية إلى سوريا ولا قوى سورية إلى لبنان، في حين أنّ خطوط التهريب تبقى العامل المشترك بينهم، وتظلّ المصدر الرئيسي لتمويلهم. لا يتعلق الأمر بمشروع سياسي أو أيديولوجي يمكن أن يغير شكل المنطقة إذاً، بل بتوزيع حصص تهريبية وفرض السيطرة على طرق غير قانونية لتأمين الموارد، وهو أمر يتسم بالزوال في أي لحظة.
إنّ هذه المعارك الحدودية لا تعدو كونها صراعاً على فُتات، يظل مستقبلها قاتماً بلا أي مسار حقيقي للأمام. وفي الوقت الذي يعكف فيه الجميع على محاربة الوهم، يظل الواقع يثبت أنّ النوايا الطموحة التي يتمسك بها هؤلاء ما هي إلا سراب في صحراء من الفوضى والرصاص المُطلق هباءً دون أثر يُذكر.

