أزمة تركيا المستجدة.. راديكاليون وغلاة ضد إردوغان

أزمة تركيا المستجدة.. راديكاليون وغلاة ضد إردوغان

  • ٢٤ آذار ٢٠٢٥
  • جو حمّورة

يواجه رجب طيب إردوغان أزمة مستجدة وخطيرة في بلاده. ولكن، على ما يبدو، سئم رئيس الجمهورية التركية من كل المعارضة المحلية، وما عاد يعيرها أهمية أو إعتباراً.

ads

 

مع القبض على رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، وهو المرشح الجدي الوحيد لخوض الانتخابات الرئاسية القادمة عام 2028، ما عاد للمعارضة التركية من شخصية جامعة قادرة على مقارعة النظام السياسي القائم وحزب «العدالة والتنمية» الحاكم. غياب القيادة لا يعني، البتة، غياب الجمهور، الذي راح يتظاهر في الشوارع والساحات رفضاً لما أسموه «الديكتاتورية المدنية» التي أدخلت إمام أوغلو إلى السجن، وذلك في مجموعة تهم منوّعة تشبه تلك التهم المكررة والجاهزة التي تعطيها غالباً الأنظمة الاستبدادية لمعارضيها.

 

قد يخرج إمام أوغلو من السجن أو ربما يبقى فيه لفترة طويلة، أو قد يعدُل عن فكرة ترشيحه للرئاسة في المستقبل أو ربما يترشح من السجن كما حصل سابقاً مع بعض الشخصيات الكردية، فيحصل على حصانة نيابية أو رئاسية تخرجه من السجن. ولكن، تعدّد الإحتمالات المستقبلية لا ينفي الثابت الوحيد اليوم، وهو أنّ مروحة معارضي إردوغان لا تزال نفسها ولم تزد عما كانت عليه من قبل.

 

يعارض إردوغان وحكمه 5 مجموعات أساسية. المجموعة الأولى هم العلمانيون، سليلو الفكر «الأتاتوركي» الذين وجدوا أنّ الحكم «الإردوغاني» هشم بزعيمهم الأبدي وأبعد تركيا عن مسارها الذي أرساه في القرن الماضي. هؤلاء يدورون في فلك حزب «الشعب الجمهوري» العلماني المعارض، الذي يحتل المرتبة الثانية من حيث عدد النواب وعدد الأصوات الانتخابية، ولكنه يبقى حزباً كثير البيروقراطية وقليل التحديث، ويتمسك بأفكار «قديمة» لا تحاكي التطلعات والتطورات المستقبلية. هؤلاء راديكاليون في علمانيتهم، ويؤمنون أنّها بديل عن الدين وليست، كما هي في مجمل الدول الأخرى، شكلاً من أشكال تنظيم العلاقة بين الدين والدولة.

 

أما المجموعة الثانية فهي بعض غلاة القومية التركية. صحيح أنّ إردوغان وحزبه يمثلان تقاطعاً حقيقياً وثابتاً بين تيارات ثلاث في تركيا، هي الإسلام السياسي، القومية التركية، والحركات الصوفية المحلية، إلا أنّهما يعمدان إلى موازنة هذه التقاطعات بحيث لا تطغى واحدة على أخرى. في المقابل، تجد الحركات القومية أن الحزب الحاكم ورئيسه قد تراخيا في تعزيز القومية التركية والعمل بما يخدمها، لذا تشهر سيف العداء لهما، هذا على الرغم من قدرتها المتواضعة جداً على إحداث أي أثر حقيقي في الحياة السياسية التركية.

 

في المقابل، تمثل الحركات اليسارية الراديكالية إحدى المجموعات الإضافية التي كانت ولا تزال تعارض الحكم الحالي. صحيح أنّها مجموعات متناثرة، تعيش في شبه غيبوبة سياسية وبخطاب قديم، بالٍ ومعقد، إلا أنّها تضم عدداً لا بأس به من الشباب الأتراك، وخاصة من سكان ضواحي المدن الكبرى وأبناء الطبقات الفقيرة.

 

أما المجموعة الرابعة فهي الإسلاميون الراديكاليون الذين يرون أنّ إردوغان ليس إسلامياً بالشكل الكافي. لا يشكّون في إيمانه طبعاً، لكن يشكّون في ركونه إلى المفاهيم الغربية في إدارة حكمه. هؤلاء يريدونه أن يدير الدولة على نسق الجماعات الإسلامية في دول شرقية أخرى، ويأخذون من بعض النماذج العربية، الأفغانية والباكستانية مثالاً لهم. لا يؤمن هؤلاء بالدولة أصلاً بل بالشريعة الإسلامية وما تقتضيه من قواعد وتطبيقات.

 

كذلك الأمر، تمثل المجموعة الخامسة طيفاً واسعاً من«طائفة» العلاهيين، وهؤلاء علمانيون بأغلبهم، ولكن مفتونون بتجربة الإمام علي، ويدمجون بإيمانهم بين المذهب الشيعي، المسيحية، الطريقة الصوفية القزلباشية (ذوي الطاقيات الحمر)، والشامانية (دين الأناضول قبل المسيحية والإسلام). ليس عدد هؤلاء بقليل، بل يجاور الـ10 مليون شخص، وهم أقلية غير معترف بها في تركيا على أنّها دين أو طائفة، وهم، طبعاً، غير الطائفة العلوية الموجودة في جنوب تركيا قرب الحدود مع سوريا. للعلاهية حساب قديم مع حزب «العدالة والتنمية»، وتجد أنّ وجودها بخطر دائم طالما ينحو الحكم الحالي نحو الإسلام السياسي بنسخته السنية.

 

من ناحية أخرى، يحافظ عدد كبير من الأكراد وأحزابهم على قطيعة سياسية شبه كاملة مع النظام القائم في تركيا، غير أنّهم في قضية سجن إمام أوغلو تحديداً، يقفون على الحياد ولا يبدون أي اكتراث لها، لا تأييداً ولا معارضة.

 

عملياً، إنّ هذه المجموعات كلها كانت ولا تزال تعارض إردوغان، حزبه وحكمهما. لم يطرأ أي جديد على الصورة المحلية والعامة، ولم تظهر أي جماعات جديدة أو تنشق أي جماعة موالية وتدخل في نادي المعارضين. لكن الوضع اليوم قد يشهد تحولات غير متوقعة؛ فالاعتراضات تتزايد وسط تأزم الاقتصاد التركي وتدهور مستوى المعيشة، الأمر الذي يعزّز من قدرة بعض الجماعات على جذب فئات جديدة من الشعب التركي إلى صفوفهم. هذا الاستقطاب قد يخلق وضعاً جديداً مع دخول الفئات الوسطى وشرائح الشباب في الدائرة المعارضة لحكم إردوغان.

 

إلا أنّ الصورة ليست خالية من التعقيدات. فالمعارضة التركية، رغم تنوّعها، تفتقر إلى وحدة الرؤية والإستراتيجية. حيث تبرز الإنقسامات الداخلية بين العلمانيين والإسلاميين، وبين القوميين والأكراد. هذا التشرذم يجعل من الصعب تصوّر تحالفات مستدامة قادرة على منافسة إردوغان بشكل فعّال، خاصة في ظل التحكم الكبير الذي يمتلكه في مفاصل الدولة والأجهزة الأمنية، كما في الإعلام والسلك القضائي.

 

ليست الموجة المعارِضة لإردوغان اليوم الأولى من نوعها، ولن تكون الأخيرة. لم يحكم الرجل تركيا، منذ عام 2002 وحتى اليوم، بالحديد والنار، إنّما بالذكاء والدعاية والبناء واللعب على التناقضات، ومن يظن أنّ معارضة هشة كتلك القائمة في تركيا اليوم تستطيع إخراجه من السلطة، لا يعرف من هو هذا الرجل وكيف ينظر إلى معارضيه دون اكتراث في العلن، ولكن بالكثير من الريبة والتخطيط والعمل في السر.

ads
ads