عام 2025: لحظة فارقة في مسار الأزمات البيئية
عام 2025: لحظة فارقة في مسار الأزمات البيئية
في حين يتفاخر العالم اليوم بإنجازات الذكاء الإصطناعي والتطورات التكنولوجية المتسارعة يواجه كوكب الأرض أزمات بيئية متصاعدة

يقول الباب فرنسيس في الرسالة العامة «بيتنا المشترك» الصادرة سنة ٢٠١٥« إذا كان صحيحاً أنّ الصحاري الخارجيّة تزداد في عالمنا ، فلأنّ الصحاري الداخلية أصبحت واسعة جدّاً ، والأزمة البيئة دعوة إلى تحوّل داخليّ»
هذه الرسالة دعوة حقيقية الى التحوّل البيئي الذي يجب ترجمته في أعمال ملموسة لحماية الكوكب
فالأرض تعيش في لحظة حاسمة. تتقاطع أزمات سياسية، بيئية وإنسانية في مشهد بالغ التعقيد يهدد الحياة على كوكبنا. شهدنا في العقدين الماضيين سلسلة من التحديات العالمية المدمرة، بدءًا من الحروب والكوارث الطبيعية وصولًا إلى الأزمات الاقتصادية التي لا تزال تلاحقنا. وفي عام 2025، يبدو أنّ الوضع قد وصل إلى نقطة اللاعودة. تشكل التغيرات المناخية، وفقدان التنوع البيولوجي، وتلوث المحيطات، وغير ذلك من الأزمات البيئية، أزمات عميقة لا تحتمل الانتظار وكل ذلك بسبب عبثية الإنسان
عبثية الإنسان والعنف الملازم إياها
يمكننا أن نتذكر بعض الأمثلة من الماضي عن العبثية المذهلة للإنسان: كيف استطاع النازيون إذلال الكثير من الرجال والنساء حتى الموت في معسكرات الإعتقال ؟ كيف يمكن أن يقتل الخمير الحمر مليونا وسبعمائة ألف شخص من مواطنيهم؟ كيف تستمر الإبادات من الماضي الى الحاضر، وتزامناً نحن نواجه الآن عبثية جديدة: كيف يمكن أن يدمر الإنسان الكوكب؟ كيف يمكنه أن يدمر المحيط الحيوي الذي جعله يظهر وبالتالي يخاطر بإنهاء جنسه؟ كيف يمكنه أن يطلق العنان لعدم التعاون، وللدفاع عن مصالح معينة على حساب الخير العام، ويستسلم للولب الجمود، وموقف الانتظار والترقب وغياب الأمل، مع ما يترتب على ذلك من إثارة هذا القدر من العنف والظلم؟
الأزمة البيئية هي نتاج الأزمة الاجتماعية
إنّ البيئة البشريّة والبيئة الطبيعيّة يتدهوران معًا، ولمواجهة التدهور البيئيّ بشكل مناسب يتوجب الإنتباه إلى الأسباب التي أدّت إلى التدهور البشريّ، والاجتماعيّ. في الواقع، أنّ الفئات الأكثرضعفًا تتحمل العبء الأكبر من التدهور. تتأثرالمجتمعات الفقيرة بشدة من التلوث ونقص الموارد، مما يؤدي إلى مشكلات صحية ولجوء مناخي وصراعات عنيفة، وغياب الوعي بمشكلات المهمشين، الذين يُعتبرون غالباً على الهامش في النقاشات السياسية والإقتصادية. يُعزى ذلك إلى إنقطاع الاتصال بين قادة الرأي والمشكلات اليومية للناس، مما يغذي تجاهل الواقع، وما يشرعن الإستهلاك المفرط لقلة من الناس. وعدم المساواة هذا يؤثر على الدول بأكملها، مما يتطلب إعادة النظر في العلاقات الدولية، أو بمعنى آخر إيفاء «دَين إيكولوجي» بين دول العالم الغني والفقير.
فما هي أبرز المشاكل البيئة المتوقع تفاقمها في العام ٢٠٢٥؟
الاحتباس الحراري: التحدي الأكبر
يعد الاحتباس الحراري من أكبر التحديات التي يواجهها كوكب الأرض في عام 2025. تشير الدراسات العلمية إلى أن عام 2024 كان من بين أكثر الأعوام حرارة في التاريخ. فقد تخطت درجات الحرارة العالمية مستويات 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل العصر الصناعي، وهو ما يشكل تهديدًا كبيرًا للنظام البيئي العالمي. ورغم الجهود الدولية لمكافحة هذه الظاهرة عبر الاتفاقات العالمية مثل اتفاقية باريس للمناخ، فإن ما يحدث على الأرض يشير إلى أن الأزمات البيئية تزداد تفاقمًا.
التغيرات المناخية الناتجة عن ارتفاع درجات الحرارة تؤدي إلى كوارث بيئية غير مسبوقة. على سبيل المثال، شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعًا كبيرًا في درجات الحرارة، مما أدى إلى حدوث حرائق غابات ضخمة في أستراليا وفي بعض الولايات المتحدة، فضلاً عن تسارع ذوبان الجليد في القطبين الشمالي والجنوبي. هذه الظواهر ليست مجرد ظواهر عابرة، بل هي مؤشرات على حدوث تغييرات جذرية ستؤثر على حياة الملايين من البشر والنظم البيئية حول العالم.
فقدان التنوع البيولوجي: انقراض الأنواع وتهديدات أخرى
التنوع البيولوجي هو عنصر أساسي للحفاظ على استقرار النظام البيئي في كوكب الأرض. ومن أكبر النتائج السلبية للتغير المناخي، هو فقدان التنوع البيولوجي. فمنذ السبعينات، شهدنا انخفاضًا حادًا في أعداد العديد من الأنواع الحيوانية والنباتية، بما في ذلك الثدييات، الأسماك، والطيور. هذا الانخفاض الكبير يعود إلى الأنشطة البشرية، مثل قطع الأشجار، التوسع العمراني، والأنشطة الزراعية المكثفة التي تدمر المواطن الطبيعية.
إزالة الغابات تشكل واحدة من أكبر التهديدات للتنوع البيولوجي. غابات الأمازون، على سبيل المثال، تعد من أهم النظم البيئية في العالم، حيث تغطي 40% من قارة أميركا الجنوبية وتعتبر «رئة الأرض» بسبب قدرتها على امتصاص ثاني أكسيد الكربون. ومع ذلك، تواصل عمليات إزالة الغابات بوتيرة متسارعة، مما يهدد بقاء العديد من الأنواع الحيوانية والنباتية التي تعتمد على هذه الغابات للبقاء. ومن الجدير بالذكر أنّ تأثير هذا التدهور البيئي لا يقتصر على الأنواع المهددة بالانقراض، بل يمتد ليشمل الإنسان نفسه، حيث يشكل فقدان التنوع البيولوجي تهديدًا مباشرًا لسبل العيش في العديد من المناطق.
وفيما يتعلق بالبحار والمحيطات، فإنّ فقدان التنوع البيولوجي البحري يعد أمرًا كارثيًا. فالتغيرات في درجات الحرارة وتلوث المحيطات تؤثر على الحياة البحرية بشكل كبير، حيث تهدد بعض الأنواع بالانقراض بسبب تدمير الشعاب المرجانية أو النفوق الجماعي للكائنات البحرية التي تعيش فيها.
التلوث البلاستيكي: تهديد للصحة والبيئة
أحد أخطر أنواع التلوث الذي يواجهه كوكب الأرض في عام 2025 هو التلوث البلاستيكي. فمع ازدياد إنتاج البلاستيك في السنوات الأخيرة، أصبحت المواد البلاستيكية تشكل تهديدًا بيئيًا وصحيًا على حد سواء. تقرير الصندوق العالمي للطبيعة يشير إلى أن كميات البلاستيك التي يتم التخلص منها سنويًا في المحيطات تتزايد بشكل كبير، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على الحياة البحرية. الأسماك والطيور البحرية تبتلع المواد البلاستيكية، ما يؤدي إلى تلوث السلسلة الغذائية ويشكل تهديدًا لصحة الإنسان الذي قد يستهلك هذه الأسماك الملوثة.
يعتبر البلاستيك من أكثر المواد تلوثًا للبيئة، حيث يمكن أن يظل في البيئة لعقود طويلة قبل أن يتحلل. وبالرغم من الجهود التي بذلت في العديد من البلدان للحد من استخدام البلاستيك، فإن التقدم في هذا المجال ما يزال بطيئًا. في لبنان، على سبيل المثال، تعتبر أكياس البلاستيك الملوثات الرئيسية في الشوارع والأنهار. لكن، على الرغم من بعض التشريعات التي تفرض حظرًا جزئيًا على استخدام البلاستيك، إلا أن تطبيق هذه القوانين ما يزال يواجه صعوبات كبيرة.
الاعتماد على الوقود الأحفوري :
لا تزال معظم الدول تعتمد بشكل كبير على الوقود الأحفوري كمصدر رئيسي للطاقة. ورغم الدعوات العالمية للتحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، إلا أنّ التحديات الإقتصادية والسياسية تحول دون تحقيق هذا التحول بشكل سريع وفعال. في العديد من الدول النامية، يشكل الوقود الأحفوري مصدرًا رئيسيًا للطاقة ويشكل جزءًا كبيرًا من الاقتصادات الوطنية. لكن في الوقت نفسه، يدرك الخبراء أنّ استمرار الإعتماد على هذه المصادر يساهم بشكل كبير في تفاقم التغيرات المناخية.
الانتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة مثل الشمس والرياح هو خطوة ضرورية لمكافحة التغير المناخي. ومن الدول التي بدأت بالفعل في اتخاذ خطوات نحو هذا الانتقال، نجد أن بعض الدول الأوروبية قد حققت تقدمًا كبيرًا في تعزيز استخدام الطاقة المتجددة، بينما لا تزال دول أخرى تواجه تحديات اقتصادية وتكنولوجية كبيرة.
إزالة الغابات: تهديد للأرض والإنسان
إزالة الغابات تعتبر من أخطر الممارسات التي تهدد النظام البيئي العالمي. تؤدي عمليات قطع الأشجار بشكل غير قانوني والتوسّع العمراني إلى تدمير المساحات الخضراء التي تعتبر ضرورية للحفاظ على توازن المناخ. وتشير الدراسات إلى أنّ الغابات الإستوائية، مثل غابات الأمازون، تمثل 18% من عمليات إمتصاص ثاني أكسيد الكربون في العالم، وبالتالي فإنّ تدمير هذه الغابات يزيد من تركيز الغازات الدفيئة في الجو، مما يساهم في تسريع الاحتباس الحراري.
إزالة الغابات تؤدي إلى زيادة معدلات التعرية وتهديد التربة الزراعية، مما يعقد جهود التنمية المستدامة في العديد من البلدان. كما أنّ هذه الممارسات تساهم في انقراض العديد من الأنواع الحيوانية والنباتية، ما يسبب خللاً في النظام البيئي.
هدر الطعام
يُهدر أو يُفقد ثلث الطعام المخصص للاستهلاك البشري – أي حوالي 1.3 مليار طن سنويًا، وهو ما يكفي لإطعام 3 مليارات شخص.يمثل هدر وفقدان الطعام حوالي ربع انبعاثات الغازات الدفيئة سنويًا. يحدث فقدان وهدر الطعام في مراحل مختلفة بين الدول النامية والمتقدمة:
في الدول النامية، يحدث 40% من فقدان الطعام في مراحل ما بعد الحصاد والتصنيع.
في الدول المتقدمة، يحدث 40% من هدر الطعام على مستوى البيع بالتجزئة والمستهلكين.
في قطاع البيع بالتجزئة، يتم التخلص من كميات هائلة من الطعام لأسباب جمالية. ففي الولايات المتحدة، يُهدر أكثر من 50% من المنتجات الزراعية ليتم بيعها للمستهلكين، وهو ما يعادل حوالي 60 مليون طن من الفواكه والخضروات سنويًا
ذوبان القمم الجليدية وارتفاع مستوى سطح البحر
تؤدي أزمة المناخ إلى ارتفاع درجات الحرارة في القطب الشمالي بمعدل أكثر من الضعف مقارنة ببقية الكوكب. ونتيجة لذلك، يرتفع مستوى سطح البحر اليوم بمعدل يزيد عن ضعف المعدل الذي كان عليه طوال معظم القرن العشرين بسبب ارتفاع درجات الحرارة على الأرض
تعدين الكوبالت
يُعد الكوبالت مثالًا بارزًا على المعضلة المعدنية التي تواجه الانتقال إلى الطاقة المتجددة. فهو مكوّن رئيسي في بطاريات السيارات الكهربائية ويشهد طلبًا متزايدًا مع تقدم جهود إزالة الكربون. تُعد جمهورية الكونغو الديمقراطية أكبر مورد للكوبالت في العالم، حيث يُقدر أنّ ما يصل إلى خُمس الإنتاج يتم عبر التعدين الحِرفي.
إلا أنّ تعدين الكوبالت يرتبط باستغلال العمال وظروف عمل خطيرة، إلى جانب مشاكل بيئية واجتماعية خطيرة أخرى.
تحتوي المناطق الجنوبية من جمهورية الكونغو الديمقراطية على كميات كبيرة من الكوبالت والنحاس، بالإضافة إلى اليورانيوم. وقد لاحظ العلماء مستويات عالية من الإشعاع في مناطق التعدين. علاوة على ذلك، فإنّ التعدين المعدني، على غرار غيره من أنشطة التعدين الصناعي، يؤدي غالبًا إلى تلوّث يتسرّب إلى الأنهار ومصادر المياه المجاورة. كما أنّ الغبار الناتج عن الصخور المسحوقة معروف بأنه يسبب مشاكل تنفسية للمجتمعات المحلية.
إنّ التحديات البيئية التي يواجهها كوكب الأرض في عام 2025 تمثل تهديدًا حقيقيًا لمستقبلنا. فالوضع الحالي يتطلب التحرك السريع والجاد على كافة الأصعدة. من خلال تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة، التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، تعزيز جهود الحفظ البيئي، ومكافحة التلوث البلاستيكي، يجب أن تكون جميع هذه العناصر جزءًا من خطة شاملة لمواجهة الأزمات البيئية.
إذا أردنا الحفاظ على كوكب الأرض للأجيال القادمة، فلا بد من تغيير جذري في سياساتنا البيئية والاقتصادية. كما قال ألبرت أينشتاين: «لا يمكننا حل مشكلة باستخدام نفس العقلية التي أوجدت تلك المشكلة».

