أفلام الكرتون لم تعد كما نعرفها
أفلام الكرتون لم تعد كما نعرفها
ذكاء اصطناعي، ألوان جذّابة، ورسائل خفية تهدّد وعي الصغار بلا إنذار.
في ظل التسارع الهائل للتكنولوجيا الرقمية، وتحوّل الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية إلى جزء أساسي من الحياة اليومية، يواجه الأطفال اليوم مخاطر جديدة لا تقل خطورة عن التهديدات التقليدية، بل تتجاوزها أحيانًا بكونها خفية، صامتة، ومتسللة إلى العقول دون مقاومة تُذكر. ومن بين أخطر هذه التحديات، يحذّر خبراء في التربية وعلم النفس وحماية الطفل من ظاهرة آخذة في الاتساع بهدوء، تتمثّل في الانتشار الواسع لمحتوى كرتوني يُقدَّم على أنّه موجّه للأطفال عبر منصّات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الفيديو، في حين أنّ مضمونه الحقيقي يحمل رسائل وسلوكيات تتعارض بشكل مباشر مع القيم التربوية والأخلاقية السليمة.
ويشير المختصون إلى أنّ هذا المحتوى لم يعد يقتصر على أعمال كرتونية تقليدية، بل يشمل بشكل متزايد مقاطع ومسلسلات كرتونية مُنتَجة أو مُحرَّكة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. هذه التقنيات تتيح إنتاج فيديوهات بسرعة كبيرة، وبكلفة منخفضة، مع قدرة عالية على تقليد الشخصيات الكرتونية المعروفة، واستخدام ألوان زاهية، وحركات جذّابة، وموسيقى مألوفة للأطفال. غير أنّ هذا الغلاف البرّاق يخفي في كثير من الأحيان مضمونًا مقلقًا، بل وخطيرًا، لا يتناسب إطلاقًا مع الفئات العمرية التي تستهدفه.
بحسب خبراء التربية، تكمن الخطورة الأولى في سهولة الوصول إلى هذا النوع من المحتوى. إذ بضغطة زر واحدة، يستطيع أي طفل يمتلك هاتفًا ذكيًا أو جهازًا لوحيًا أن يشاهد عشرات المقاطع المصنّفة ظاهريًا على أنّها «كرتون للأطفال»، من دون رقابة فعلية أو تصنيف عمري دقيق. ومع غياب الوعي الكافي لدى بعض الأهالي، يتحوّل هذا المحتوى إلى مربٍّ صامت، يشارك الأسرة في تشكيل وعي الطفل وقيمه وسلوكه اليومي.
ويحذّر اختصاصيون في علم نفس الطفل من أنّ عددًا غير قليل من هذه المقاطع يتضمّن مشاهد عنف، سواء كانت مباشرة أو مموّهة في إطار ساخر، إضافة إلى استخدام ألفاظ صادمة، وتطبيع للسخرية، والاستهزاء، وتسخيف فكرةالإحترام، لا سيما تجاه الأهل أو الأشخاص البالغين. كما يرصد الخبراء محاولات متزايدة لتشويه مفاهيم دينية وأخلاقية أساسية، عبر تقديمها بصورة ساخرة أو مشوّهة، ما يربك الطفل ويزعزع مرجعيته القيمية في مرحلة هو بأمسّ الحاجة فيها إلى الوضوح والثبات.
الأكثر خطورة، بحسب تحذيرات المختصين، هو احتواء بعض هذا المحتوى على إشارات أو معلومات تتعلّق بالجسد والاكتشاف الجنسي، تُقدَّم بطريقة غير تربوية، وغير علمية، ولا تراعي الخصوصية العمرية والنفسية للطفل. ويؤكد الخبراء أنّ التعرّض المبكر لمثل هذه المضامين قد يفتح باب الأسئلة والاضطرابات النفسية قبل أوانها، ويؤثّر سلبًا على نمو الطفل العاطفي والسلوكي، خصوصًا عندما تأتي هذه الرسائل في قالب كرتوني يُفترض أنّه آمن وبريء.
من الناحية النفسية، يشدّد الأخصائيون على أنّ الطفل في سنواته الأولى يكون في مرحلة تكوين شديدة الحساسية، حيث تتشكّل أنماط التفكير، وردود الفعل، والمفاهيم الأساسية حول الخير والشر، والصواب والخطأ. وفي هذه المرحلة، لا يمتلك الطفل القدرة النقدية التي تمكّنه من التمييز بين المحتوى السليم والمحتوى الضار. وبالتالي، فإنّ أي فكرة أو سلوك يُقدَّم له بشكل متكرر، وخصوصًا عبر شخصيات يحبّها ويتعلّق بها، قد يتحوّل إلى أمر «طبيعي» في وعيه، حتى وإن كان مرفوضًا اجتماعيًا أو أخلاقيًا.
ويربط خبراء علم النفس بين التعرّض المستمر لهذا النوع من الكرتون وبين ظهور مشكلات سلوكية ونفسية متزايدة لدى الأطفال، مثل التوتّر، العدوانية، تقليد السلوكيات العنيفة، ضعف التركيز، اضطرابات النوم، والخوف غير المبرّر. كما يلفتون إلى ارتفاع معدّلات التحدّي والعناد تجاه الأهل، نتيجة تطبيع مشاهد التمرّد والاستخفاف بالسلطة الأبوية داخل هذه المقاطع.
ومن الجوانب المقلقة أيضًا، وفق المتخصصين، أنّ الطفل غالبًا لا يُفصح عمّا شاهده أو سمعه، ليس بدافع الإخفاء المتعمّد، بل لأنه لا يدرك أصلًا أنّ ما تعرّض له غير مناسب أو خاطئ. وهنا يتحوّل الضرر إلى ضرر تراكمي، يتراكم مع الوقت بصمت، إلى أن تظهر نتائجه في سلوك الطفل أو صحته النفسية، في مرحلة قد يكون فيها التدخّل أصعب وأكثر تعقيدًا.
أمام هذا الواقع، يؤكد الخبراء أنّ الحل لا يكمن في المنع المطلق أو التخويف، بل في المتابعة الواعية والمسؤولة. فالمطلوب من الأهل، بحسب توصيات المختصين، هو معرفة نوعية المحتوى الذي يشاهده أطفالهم، واستخدام أدوات الرقابة الأبوية المتاحة، إلى جانب تخصيص وقت للحوار مع الطفل بلغة تناسب عمره، تشرح له الفرق بين السلوك السليم والسلوك الخاطئ، وتمنحه شعورًا بالأمان يجعله قادرًا على طرح الأسئلة دون خوف أو خجل.
كما يدعو الخبراء إلى تحمّل المنصّات الرقمية مسؤولياتها الأخلاقية، عبر تشديد سياسات التصنيف العمري، ومراقبة المحتوى المُنتَج بالذكاء الاصطناعي، الذي بات يشكّل تحدّيًا حقيقيًا للرقابة التقليدية. ويشدّدون على دور المؤسسات التربوية والإعلامية في رفع مستوى الوعي المجتمعي بهذه الظاهرة، وعدم التعامل معها على أنّها مجرّد «ترند» عابر أو مشكلة ثانوية.
في المحصّلة، يجمع المتخصصون على أنّ ما يجري اليوم يتجاوز مسألة صناعة المحتوى، ليطال جوهر التربية ومستقبل الأجيال. فالتهاون في حماية وعي الأطفال، وتركهم عرضة لرسائل مموّهة وخطيرة، قد ينعكس على المجتمع بأكمله في المدى البعيد. وكما يحذّر الخبراء بوضوح، فإنّ خسارة وعي الأطفال اليوم تعني، بلا مبالغة، خسارة جيل كامل غدًا.

