المرأة التي ستحكم إيران
المرأة التي ستحكم إيران
المرأة التي ستحكم إيران» ليس عنواناً سيحصل حتماً، بل توصيف لحقيقة أعمق، أنّ زمن البدائل الهشة انتهى، وأنّ إيران، في لحظة انهيارها، ستضطر لمواجهة أكثر شخصياتها إثارة للجدل، وأكثر مشاريعها وضوحاً.
لم تعد إيران بلداً يعيش على حافة الإحتجاج، بل دولة تتآكل من الداخل. ما يجري اليوم في شوارع طهران، أصفهان، مشهد، والأقاليم الطرفية، يتجاوز منطق الغضب الدوري على الغلاء أو العقوبات. نحن أمام أزمة شرعية شاملة: نظام لم يعد قادراً على الإقناع، ولا على الحكم إلا بالقمع، ولا على تخيّل مستقبل خارج منطق «البقاء الأمني».
في هذا الفراغ، حيث يتراجع الخوف ويتقدّم سؤال البديل، تعود أسماء قديمة - جديدة إلى الواجهة. أحد هذه الأسماء، الأكثر إثارة للجدل والأكثر تنظيماً في آن، هي مريم رجوي.
لا يعني طرح إسم مريم رجوي الحديث عن حتمية أو نبوءة سياسية. فإيران، بتعقيداتها الإثنية والدينية والتاريخية، لا تُحكم بالترجيحات السهلة. لكن في لحظات الانهيار الكبرى، لا يُسأل فقط: من سيسقط؟ بل: من هو الجاهز؟ ومن يملك تصوراً متكاملاً، لا مجرد حنين إلى ماض أو كرهاً للحاضر؟
الاحتجاجات الحالية كشفت عطب النظام من جذوره. «الحرس الثوري» يضرب بلا أفق، المؤسسة الدينية فقدت قدرتها على التعبئة، والاقتصاد لم يعد قادراً على شراء صمت الناس. الأهم أنّ الشارع الإيراني لم يعد ينتظر «إصلاحاً من الداخل»، بل يتصرف كقوة سياسية مستقلة، بلا وسيط. هنا تحديداً، يصبح السؤال عن المعارضة سؤالاً مصيرياً، لا ترفاً فكرياً.
مريم رجوي ليست إسماً طارئاً على هذا المشهد. هي نتاج تاريخ طويل من الصراع مع الجمهورية الإسلامية، ومن العمل المنظم خارج إيران وداخلها. منذ الثمانينيات، ارتبط اسمها بمنظمة «مجاهدي خلق» التي «ورثتها» عن زوجها الذي اغتاله النظام الإيراني، الحركة السياسية، النسوية، اليسارية والمتدينة، التي دفعت ثمناً باهظاً في صدامها مع نظام الخميني، قبل أن تُقصى، تُشيطن، وتُحوَّل إلى «تابو» سياسي داخل الوعي الإيراني الرسمي. لكن التابوهات، في لحظات الإنهيار، تعود إلى الحياة.
ما يميّز رجوي، مقارنة بكثير من رموز المعارضة، ليس فقط حضورها، بل وضوحها. خطابها ليس عاطفياً، ولا يقوم على استدعاء رمزي لماض إمبراطوري أو ملكي. هي لا تتكئ على اسم عائلة، ولا على نوستالجيا «إيران ما قبل الثورة». في هذا السياق، تبدو أكثر جدية من رضا بهلوي، نجل الشاه، الذي يستمد ثقله من ذاكرة منقسمة، ومن شرعية رمزية لا برنامج سياسي واضح له في الحاضر الإيراني المعقّد.
رجوي تقدّم نفسها كممثلة لمشروع، لا كظل من التاريخ. مشروعها يقوم على فكرة الجمهورية، فصل الدين عن الدولة، مساواة المرأة بالرجل، وإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع. قد يختلف كثيرون مع هذا الطرح، وقد يشكك آخرون بقدرة «مجاهدي خلق» على التكيّف مع الداخل الإيراني المتحوّل، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أنّ هذا التيار يملك بنية تنظيمية، وخطاباً متماسكاً، وشبكة علاقات دولية نشطة، في وقت تعاني فيه معظم أطياف المعارضة من التفكك، الفردانية، أو الإرتهان للخارج بلا رؤية.
اللافت أيضاً أنّ مريم رجوي تمثل، رمزياً وفعلياً، كسر أحد أعمدة النظام: احتكار الذكورية السياسية. الجمهورية الإسلامية قامت على تهميش المرأة، لا فقط اجتماعياً، بل سياسياً وفكرياً. في مواجهة هذا الإرث، تظهر رجوي لا كـ«إمرأة معارضة»، بل كزعيمة سياسية كاملة الأدوات، تتحدث بلغة السلطة، لا بلغة الضحية. هذا البعد، في إيران اليوم، ليس تفصيلاً، بل تحد مباشر لجوهر النظام.
في المقابل، تبدو معظم الأصوات الأخرى إما أسيرة الماضي، أو رهينة الخارج، أو غارقة في شعارات بلا تنظيم. معارضون كثر يرفعون سقف الخطاب، لكنهم يعجزون عن بناء جسم سياسي قادر على التقاط لحظة الانهيار. هنا، تفرض مريم رجوي نفسها كحالة مختلفة: قد لا تكون الإجابة النهائية، لكنها بالتأكيد أحد أكثر الأسئلة إحراجاً للنظام.
إيران اليوم لا تبحث فقط عن إسقاط خامنئي، بل عن تصوّر لما بعده. من سيملأ الفراغ؟ من سيمنع الفوضى؟ من يملك تصوّر للدولة، لا مجرد هدم للسلطة؟ في هذا المخاض، تصبح مريم رجوي، وعسكرها من النساء اللابسات للحجاب الأحمر، رقماً صعباً في معادلة المستقبل، سواء أحبها الشارع الإيراني أم خاصمها، سواء وصلت إلى الحكم أم بقيت في موقع قيادة المعارضة الأكثر وضوحاً، تنظيماً وراديكالية.
«المرأة التي ستحكم إيران» ليس عنواناً سيحصل حتماً، بل توصيف لحقيقة أعمق: أنّ زمن البدائل الهشة انتهى، وأنّ إيران، في لحظة انهيارها، ستضطر لمواجهة أكثر شخصياتها إثارة للجدل، وأكثر مشاريعها وضوحاً. وفي السياسة، الوضوح، حتى لو كان صادماً، هو أول شروط الجدية، والنجاح.

