قضية ألبانيزي والجامعة الأميركية في بيروت

قضية ألبانيزي والجامعة الأميركية في بيروت

  • ٢٩ كانون الثاني ٢٠٢٦
  • مكرم رباح

الغضب، حين يصبح عرضياً، ويُثار فقط عندما تكون القضية مرئية دولياً، ومغرية إعلامياً، أو مطابقة أيديولوجياً، يتحوّل من موقف أخلاقي إلى أداء. وحين يُدافع عن حرية التعبير فقط عندما يكون الدفاع عنها آمناً، تفقد ميزتها كمبدأ.

كل فترة يَستكشف من جديد الفضاء العام في لبنان «حرية التعبير» بحماسة فضيلة موسمية. تُستحضر بخطابٍ عاطفي، وتُدافِع عنها الأصوات على الملأ، ويُنعى غيابها بنبرة درامية حتى تصبح غير مريحة. عندها يُعاد تصنيفها بهدوء على أنّها «مخاطرة»، أو «عِبئاً»، أو «إشكالية إجرائية»، ومن ثم تُحال إلى لجان وتخضع لآليات تدقيق ومحاذير قانونية لا تظهر إلا بعد أن يكون الغضب قد أدى غرضه.

الجدل الأخير الذي أُثير بشأن فرانشيسكا ألبانيزي والجامعة الأميركية في بيروت يندرج تماماً ضمن هذا النمط. اللافت ليس الخلاف بحد ذاته، بل الصدمة المفاجئة التي أصابت الكثيرين ممن اعتادوا، في حياتهم العامة، على ضبط كلامهم يوميًا؛ وكأنّ هذه هي المرة الأولى التي تُصفّى فيها حرية التعبير أو تُدار أو تُقيَّد بإسم «الإمتثال». هكذا، وببساطة، تبدو حرية التعبير حين تتحول إلى قيمة نسبية.

في خضم الضجة، أوضحت الجامعة الأميركية في بيروت أنّه لم يكن هناك أي نشاط مقرّر لألبانيزي ومن ثم أُلغي. بل أكدت أنّها، بصفتها مؤسسة خاصة تعمل وفق القانون اللبناني وبموجب ميثاق أميركي، ملزمة قانوناً بتدقيق أسماء المدعوين على لوائح العقوبات الأميركية. وبما أنّ ألبانيزي مُدرجة، بحسب ما أُعلن، على لائحة «الأشخاص المصنّفين خصيصاً»، رأت الجامعة بحق أنّها لا تستطيع إستضافتها من دون أن تتعرض وموظفيها لمخاطر قانونية جسيمة.

يمكن، بل ينبغي، الإعتراض على السياسة الكامنة خلف هذه العقوبات. لكن الإدعاء بأنّ هذه القيود غير موجودة، أو أنّ المؤسسات قادرة على تجاهل أطر قانونية ملزمة كلما استدعت «الضرورة الأخلاقية» ذلك، هو إما سذاجة أو تضليل متعمّد. فالقانون، بخلاف الغضب، لا يستجيب للشعارات. غير أنّ المشكلة الأعمق لا تكمن في القيود القانونية، بل في استنسابية الغضب.

فالتعبئة المفاجئة دفاعاً عن ألبانيزي تقف على النقيض من الصمت الذي رافق، في ماضٍ غير بعيد، الهجوم العلني على الأستاذ بشار حيدر، وهو حادث أثار تساؤلات لا تقل خطورة بشأن الحرية الأكاديمية والكرامة وحدود القول المسموح. مرّ ذلك الحدث من دون مساءلة زملائية تُذكر أو مراجعة مؤسساتية جدّية. كما لم تنتشر أي رسائل غاضبة، ولم تُفتح نقاشات عامة. وهذه الازدواجية ليست بتفصيل.

لأنّ الغضب، حين يصبح عرضياً، ويُثار فقط عندما تكون القضية مرئية دولياً، ومغرية إعلامياً، أو مطابقة أيديولوجياً، يتحوّل من موقف أخلاقي إلى أداء. وحين يُدافع عن حرية التعبير فقط عندما يكون الدفاع عنها آمناً، تفقد ميزتها كمبدأ.

حاول بعضهم الإلتفاف على هذا التناقض بالقول إنّ التمويل الأميركي بات شحيحاً إلى حدّ يجعل الإلتزام بالإعتبارات القانونية والسياسية الأميركية أمراً غير مجدٍ. هذا الإدعاء أيضًا يسقط بدوره أمام التدقيق.

فالجامعة الأميركية في بيروت لا تعمل ضمن إطار قانوني أميركي فقط بهدف تحصيل التمويل. بل هذه الممارسة هي جزء من نموذج «قوة ناعمة» أوسع نطاق؛ نموذج أتاح للجامعة تاريخيًا، بما فيه من عيوب، أن تتفرد بالتعدّدية في إقليم شديد الإرتهان والتبعية. هذا النموذج مكّن باحثين وأساتذة ناقدين بشدة للسياسة الأميركية، وللقوة الإسرائيلية، وللهيمنة الغربية، من التدريس والبحث والنشر في الجامعة، شرط إستيفائهم المعايير الأكاديمية والمهنية. الإستخفاف بهذا الإطار، مع الإستمرار في الإستفادة من حماياته ومكانته وهوامشه، ليس مقاومة. بل هو راحة متنكرة في زيّ المبادئ.

وينطبق الأمر نفسه على المسرحيات الأخلاقية المرتبطة بالتمويل. أولئك الذين ينددون بـ«المال الملطخ بالدماء» بينما يواصلون بناء مسيراتهم المهنية داخل مؤسسات تقوم على هذا المال، لا يتحلون بشجاعة أخلاقية. إنّهم يفوضون قلقهم إلى غيرهم. لا أحد مُجبر على قبول تمويل يراه غير أخلاقي. الرفض خيار، لكنه مُكلف.

من السهل التنديد بالسلطة أثناء تقاضي شيكاتها؛ ومن السهل تمجيد الشجاعة مع إحالة كلفتها إلى «المؤسسة». والأسهل من ذلك كله، إحياء حرية التعبير فقط حين تُحاكي قناعاتنا.

هذا ليس إتهاماً للجامعة بحد ذاتها، ولا دعوة إلى بطولة استشهادية. إنّه نداء لتحقيق النزاهة الفكرية. فإما أن تكون حرية التعبير قيمة يُدافع عنها باستمرار، حتى حين تكون مزعجة ومقيّدة، أو أن تكون بلاغة خطابية نلوّح بها عندما تقتضي الحاجة.

طلابنا ليسوا في حيرة من أمرهم. إنّهم يراقبون بدقة، ويشاهدون كيف تُحتفى المبادئ نظرياً ويُساوَم عليها عملياً. إنّهم يلاحظون كيف يُبرَّر الصمت، وكيف يُضبط توقيت الغضب، وكيف يكون «الوضوح الأخلاقي» إنتقائيًا. وقد لا يتعلق الدرس الحقيقي الذي يكتسبونه بحرية التعبير نفسها، بل بحدودها، حدود لا يرسمها القانون وحده، بل الإرادة أيضاً. أما الصمت، كما هو الحال دائماً، فهو خيانة