الإجتياح البري.. حين يعود شبح 1982
الإجتياح البري.. حين يعود شبح 1982
كل ما أُطلق حتى الآن من صواريخ من لبنان وإيران لم يغيّر ميزان المعركة بصورة حقيقية. الصواريخ سقطت، والدعاية اشتغلت بكثافة، لكن النتيجة العسكرية المباشرة بقيت محدودة للغاية.
منذ أيام، يتصاعد الحديث في لبنان عن احتمال حصول اجتياح بري إسرائيلي. تتكرر العناوين نفسها في الإعلام، وتتدفق التحليلات حول «المرحلة المقبلة»، بينما يعيش الجنوب على وقع تقدّم بطيء للقوات الإسرائيلية في أكثر من نقطة حدودية، ولا سيما في المنطقة الواقعة شرق قرية الخيام.
لكن قبل الغرق في التكهنات، ربما يجدر التوقف عند مقارنة تاريخية بسيطة: ما الذي حدث عام 1982؟ وما الذي يحدث اليوم؟
في حزيران من ذلك العام، عبرت إسرائيل الحدود اللبنانية بجيش كامل. لم يكن الأمر مناورة محدودة ولا عملية تكتيكية. كان اجتياحاً واسعاً، منظماً، ومخططاً له منذ سنوات. خلال ثلاثة أيام فقط، انهارت خطوط الدفاع الفلسطينية والسورية واليسارية والإسلامية في الجنوب والبقاع. وفي غضون أيام معدودة، كانت الدبابات الإسرائيلية قد وصلت إلى مشارف بيروت.
كان ذلك الإجتياح، بكل المقاييس العسكرية، سريعاً نسبياً. هذا على الرغم من أنّ كان كلّ حيّ في كل قرية لديه أسلحته وترسانته وحلمه بقتل الإسرائيلي عندما يراه. ومع ذلك، حدث الاجتياح بسهولة.
اليوم، وبعد حوالى أسبوعين على اندلاع الحرب الحالية، يجري الحديث في لبنان وكأنّ إسرائيل قد استنفدت قدراتها، أو كأنّها تخوض معركة وجودية بالفعل. غير أنّ الأرقام البسيطة تطرح سؤالاً مختلفاً تماماً، تماماً كما تظهر أعداد ونوعية الأسلحة المتطورة التي تملكها تل أبيب. حتى الآن، لم يسقط لإسرائيل سوى عشرة قتلى منذ بداية الحرب، بينهم عسكري واحد فقط.
هذا الرقم، مهما حاول البعض التقليل من دلالته، يقول شيئاً واضحاً: كل ما أُطلق حتى الآن من صواريخ من لبنان وإيران لم يغيّر ميزان المعركة بصورة حقيقية. الصواريخ سقطت، الإنذارات دوّت، والدعاية اشتغلت بكثافة، لكن النتيجة العسكرية المباشرة بقيت محدودة للغاية.
الأهم من ذلك أنّ إسرائيل، حتى اللحظة، لم تستخدم كامل قدراتها. لا في الجو، ولا في البر، ولا في طبيعة العمليات التي يمكن أن تشنها إذا قررت الانتقال فعلاً إلى مرحلة الحرب الشاملة.
ما يجري حالياً يبدو أقرب إلى عمليات ضغط تدريجية: ضربات جوية متواصلة، تقدم بري محدود في نقاط محددة، واستنزاف بطيء للخصم. التقدم شرق الخيام مثال واضح على هذا الأسلوب: حركة بطيئة، محسوبة، تختبر الأرض وتعيد رسم خطوط السيطرة خطوة بعد خطوة.
بهذا المعنى، قد يكون التعبير الأقرب لوصف ما يحدث الآن هو أنّ إسرائيل لا تزال في مرحلة «اللعب» أو، بلغة أكثر قسوة، ما زالت تتسلى.
المفارقة أنّ هذا المشهد يعيد إلى الذاكرة شيئاً من أجواء ما قبل اجتياح 1982. يومها أيضاً، سبقت الإجتياح مرحلة طويلة من الضربات والاشتباكات المحدودة، قبل أن يتحول القرار السياسي إلى عملية عسكرية واسعة. لكن الفارق اليوم أنّ الخطاب السائد في لبنان لا يتعامل مع هذه المقارنة بجدية. بدلاً من ذلك، يجري تصوير الصراع وكأنّ توازن الرعب الوهمي القائم سيمنع أي تحول كبير في مسار الحرب.
المشكلة في هذا النوع من القراءة أنّه يفترض أن ما جرى حتى الآن هو ذروة القوة الإسرائيلية. بينما التاريخ العسكري لإسرائيل يقول العكس تماماً: عندما تقرر تل أبيب الانتقال إلى مرحلة الإجتياح الحقيقي، يتغير شكل الحرب دفعة واحدة.
لهذا، فإنّ السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كان الاجتياح سيحصل أم لا. السؤال الأهم هو شيء آخر: هل ما نراه الآن هو فعلاً الحرب؟ أم مجرد مقدمة لها، فيما الحرب الجدية لم تبدأ بعد؟

