لبنان بين الصواريخ والإنفجار.. الموت قدر دائم

لبنان بين الصواريخ والإنفجار.. الموت قدر دائم

  • ١١ نيسان ٢٠٢٦
  • كلاريتا شمعون

لا تبدو المسافة بين 4 آب 2020 و8 نيسان 2026 زمنًا طويلًا، بل مسارًا واحدًا لم يتغيّر فيه شيء، إلا عدد الضحايا.

 

في لبنان، لم يكن ما حدث نيسان مجرد تصعيد عسكري، بل لحظة كاشفة وعارية، ومجزرة دموية: بلد يمكن أن يُضرب، ويُدمَّر، ويُجرّ إلى الحرب، من دون أن يكون له أي قرار، أو الإعتراض، أو حتى البكاء على ضحاياه

فمن انفجار 4 آب الذي حصد أكثر من 220 ضحية وخلّف آلاف الجرحى في 4 آب 2020، إلى تفجيرات «البيجر» التي أوقعت 39 قتيلًا وأكثر من 3,400 مصاب، وصولًا إلى 8 نيسان 2026 التي حصدت 203 ضحية وأكثر من ألف جريح خلال ساعاتفالأرقام هنا لا تُستخدم للعدّ، بل للإدانة، لأنّ ما يحدث ليس سلسلة أحداث منفصلة، بل مسار متواصل من الكوارث التي تتكرر بلا رادع، وبلا أي تغيير فعلي في الواقع الذي ينتجها، فالمشكلة لم تعد في الحدث نفسه، بل في النمط الذي يرسّخه.

 

في كل مرة، يُقال إنّ ما جرى استثنائي، وإنّه لن يتكرر. لكن ما يتكرر فعلًا هو العكس تمامًا: الضربات تتوالى، واللبنانيون يُتركون وحدهم لمواجهة النتائج، وكأنّ الخسارة قدر دائم لا يمكن كسره.

 

هذا ليس مسارًا غامضًا أو غير مسبوق. لقد شهده هذا الشرق الأوسط مرارًا.

 

في سوريا، لم يبقَ الصراع داخليًا طويلًا. مع الوقت، تحولت الأرض إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح روسيا والولايات المتحدة وإيران وتركيا، وكل طرف يقاتل على أرض ليست أرضه. النتيجة لم تكن انتصارًا لأي مشروع، بل بلدًا مدمّرًا، وشعبًا موزّعًا بين النزوح واللجوء.

 

وفي العراق بعد الغزو الأميركي في العام 2003، لم تسقط الدولة فقط، بل فُتح الباب أمام نفوذ متعدد الجهات، حيث تحوّل البلد إلى مساحة صراع غير مباشر بين قوى إقليمية ودولية، فيما تراجع القرار الوطني لصالح توازنات مفروضة من الخارج.

 

أما في اليمن، فالصورة أكثر وضوحًا: حرب بالوكالة على أرض واحدة، حيث تتحرك أطراف محلية ضمن حسابات إقليمية أكبر منها، بينما يدفع المدنيون الثمن في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

 

وإذا ابتعدنا جغرافيًا، نجد في أفغانستان نموذجًا طويل الأمد لدولة تحولت إلى ساحة صراع بين قوى كبرى، من الحرب السوفيتية إلى التدخل الأميركي بعد 2001، حيث استمر النزاع لعقود، فيما بقيت الدولة ضعيفة وغير قادرة على فرض سيادتها الكاملة.

القاسم المشترك في كل هذه التجارب ليس معقدًا:

حين تضعف الدولة، يتكاثر اللاعبون.
وحين يتكاثر اللاعبون، يختفي القرار.
وحين يختفي القرار… يصبح البلد ساحة، لا دولة.

 

لبنان اليوم يقف على هذه الحافة بالضبط، ليس لأنه دخل الحرب بالكامل بعد، بل لأنه فقد القدرة على البقاء خارجها. يعيش في منطقة رمادية خطرة، حيث يمكن لأي لحظة، لأي خطأ، لأي قرار يُتخذ خارج حدوده، أن يتحول إلى انفجار شامل.

المسألة لم تعد ما إذا كان لبنان سيتأثر بما يجري حوله، بل إلى أي حد سيدفع الثمن.

من المرفأ، إلى «البيجر»، إلى عشر دقائق من النار، المسار واضح، والخطر واضح، والنهاية معروفة لمن يريد أن يرى.

 

بهذا المعنى، لا تبدو المسافة بين 4 آب 2020 و8 نيسان 2026 زمنًا طويلًا
بل مسارًا واحدًا لم يتغيّر فيه شيء، إلا عدد الضحايا.