رسالة إلى صديقي منذر جابر
رسالة إلى صديقي منذر جابر
حسبنا أن نعلن النفير العام دفاعاً عن هذا الوطن، ونطلق صيحة يوسف السوداء في جريدة الراية في الماضي القريب يا نصارى يا مسلمين يا مجانين اتحدوا.
رسالة إلى صديقي منذر جابر مع انهمار القذائف المحرمة دولياً في الحروب على بنت جبيل وباقي حواضر الوطن، ومع تدمير البيوت والمؤسسات وتخريب الأرض والقضاء على الأخضر واليابس وتسميم التربة أتسمر مذهولاً أمام هول المشاهد التي تذكرني باجتياحات الغزاة المماليك في القرن الرابع عشر أو العثمانيين في القرن السادس عشر، لمناطق وطوائف عزيزة من وطننا وشعبنا، وأشعر يا صديقي منذر أنّ تلك القذائف العمياء التي قد تصيب المنزل الذي جمعته حجراً حجراً وبنيته بعرق الجبين على أبواب بنت جبيل تصيب أيضاً منزلي في جرود البترون، وأشعر أيضاً أنّ كل إغارة على أشجار الصنوبر وغيرها من الأشجار المثمرة التي اعتنيت بها حول دارتك تصيب أيضاً الأشجار التي غرستها أنا في أرض قريتي حدتون المباركة، وأتخيل أنّ القنابل العنقودية المجرمة التي قد تصيب مكتبتك العامرة ووثائقها الغنية هي نفسها تصيب مكتبتي ووثائقي الغزيرة.
يا صديقي منذر قد درّست وإياك في صف واحد تاريخ لبنان الحديث والمعاصر وعرضنا معاً لطلابنا الخرائط والوثائق المتعلقة بالحدود والمياه وأطماع الحركة الصهيونية في أرضنا التاريخية حتى الليطاني على الأقل. كتبت أنت آلاف الصفحات في هذا الموضوع، وأنا كذلك كتبت آلاف الصفحات وألقيت عشرات المحاضرات وقدمت عشرات المذكرات إلى المراجع الدولية، ومعاً في رابطة الأساتذة قدمنا المذكرات إلى الأمم المتحدة مدافعين عن حدودنا وعن شعبنا ودولتنا ضد العدوان الإسرائيلي المستمر والمتمادي.
لقد تعاونا معاً فأنجزنا منهجاً موحداً لمادة التاريخ في المناهج الرسمية يعزّز الهوية والذاكرة اللبنانية وتعاونا أيضاً في رابطة الأساتذة في الجامعة اللبنانية فوقفنا سداً منيعاً مع استقلالية الجامعة ورفعنا شعار الكفاءة والمستوى الأكاديمي المرموق وأنجزنا الكثير من المطالب للهيئة التعليمية وللجامعة عموماً.
يا صديقي منذر إنّي أتابع مقاومة الشباب الشجعان للآلة العسكرية الإسرائيلية الضخمة وأعرف جيداً أنّ هؤلاء الشباب يسطرون بطولات سيذكرها أبناؤنا بعد مئات السنين، لكنني اتفقت وإياك أنّ خلاص جنوبنا وخلاص الوطن ككل لا يتم بالارتباط والتبعية لمخططات هذه الدولة الخارجية أو تلك بقدر ما يتم بالاستقلالية وإعلاء مصالح لبنان قبل كل شيء وممارسة الوحدة الوطنية.
ولا أزال أذكر حرصك على إبراز العلاقات الطيبة بين بنت جبيل وعين إبل وباقي الجوار المسيحي في الجنوب، ولن أتكلم عن رؤيتنا المشتركة عن نقد أخطاء الأطراف التي أوصلتنا إلى حروب ١٩٧٥/ ١٩٩٠، والحروب الإقتصادية على شعبنا من خلال سرقة أموال المودعين والقهر والفساد الذي تمارسه على شعبنا الزعامات والفئات الحالية المعروفة، وأقرّ أنّ اهتمامك بالزعامات التاريخية في جبل عامل وأبحاثك العميقة وخاصة كتابك الأخير عن يوسف الزين حيث بيّنت الفرق الشاسع بين قيادات تلك المرحلة والقيادات الحالية كما بيّنت إخلاص فئة واسعة من العامليين النشطين لمشروع لبنان الكبير منذ انطلاقته ومدى التزامهم بالمصلحة العامة بمناقبية وإخلاص يفتقد إليها من يطرحون أنفسهم زعماء في هذا الزمن الرديء.
يا صديقي منذر نحن مطلعون بعمق نحن وإياك على مخططات برناد لويس بتفتيت المنطقة، وقرأنا معاً المقالات التي وضُعت
لإيجاد حدود الدم بين الشظايا المتناثرة على ديار دول المشرق ومن ضمنها دولتنا اللبنانية. ونحن نراقب معاً ما يجري حول المفاوضات أو ما قيل إنّها مفاوضات مع إسرائيل، ومن تظاهرات وتحركات تحمل شعارات خطيرة في الشارع ونسمع ونرى ما يحضّر من مختلف الأطراف لاندلاع الفتن في مجتمعنا من جديد.
فهل نبقى متفرجين على خطورة ما يجري ولا نستطيع أن نغير في مسار الأمور، حسبنا يا صديقي أن نشهد للوطن كل الوطن في هذه الأيام الكالحة السواد. وحسبنا أن نعلن النفير العام، ونطلق دفاعاً عن هذا الوطن، ونطلق صيحة يوسف السوداء في جريدة الراية في الماضي القريب يا نصارى يا مسلمين يا مجانين اتحدوا

