ضياع في الحكم الإيراني.. ولكن لماذا؟
ضياع في الحكم الإيراني.. ولكن لماذا؟
بين سلطة تبحث عن مخرج دبلوماسي ومؤسسة عسكرية ترفض التراجع يبدو النظام الإيراني عالقاً بين خيارات كلفتها وجودية.
في مشهد يعكس حجم التخبط داخل بنية القرار في طهران، أعلنت الولايات المتحدة ووزارة الخارجية الإيرانية يوم الجمعة 17 نيسان فتح مضيق هرمز، قبل أن يعود الحرس الثوري الإيراني بعد ساعات قليلة ليعلن إغلاقه. هذا التناقض لم يكن تفصيلاً تقنياً، بل إشارة واضحة إلى انقسام داخلي عميق. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ سارعت وسائل إعلام محسوبة على الحرس الثوري إلى مهاجمة وزير الخارجية، متهمة إياه بمنح دونالد ترامب انتصاراً سياسياً مجانياً.
هذه المؤشرات لا يمكن قراءتها إلا ضمن سياق صراع داخلي يتصاعد تدريجياً داخل النظام الإيراني. فالمسألة لم تعد مجرد اختلاف في التكتيك، بل باتت أقرب إلى إزدواجية في القرار بين مؤسسات الدولة الرسمية من جهة، والحرس الثوري كقوة موازية من جهة أخرى. كل طرف يتصرف وكأنّه صاحب الكلمة الفصل، ما يضع النظام أمام حالة شلل استراتيجي.
لكن السؤال الأهم لماذا يحدث ذلك الآن؟ الجواب يرتبط بطبيعة المرحلة التي دخلتها إيران. جزء من السلطة السياسية يدرك أنّ الاستمرار في المواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة لم يعد قابلاً للاستدامة، خصوصاً مع الضغوط الاقتصادية والعسكرية المتزايدة. هذا التيار يميل إلى إبرام اتفاق يخفف الحصار ويعيد فتح قنوات التفاوض. في المقابل، يرى الحرس الثوري أنّ أي تنازل سيفسر كضعف، وقد يهدد نفوذه المباشر داخل الدولة، لذلك يرفض تقديم أي مكسب لواشنطن.
وليس هذا الرفض مجرد موقف سياسي، بل يرتبط بعقيدة بقاء. فبالنسبة للحرس الثوري، التخلي عن ملف اليورانيوم أو تقديم تنازلات جوهرية فيه لا يعني فقط خسارة ورقة تفاوضية، بل قد يفتح الباب أمام اهتزاز النظام نفسه وصولاً إلى سقوطه. من هذا المنطلق، يصبح خيار المواجهة حتى لو تحوّل إلى حرب طويلة ومكلفة مع الولايات المتحدة أقل خطراً بالنسبة إليه من تقديم تنازل يفسر كاستسلام ويهدد بنية السلطة من الداخل.
هنا تقع القيادة الإيرانية أمام معادلة شبه مستحيلة القبول باتفاق مع الولايات المتحدة قد يفتح الباب أمام صدام داخلي يصل إلى حد انقلاب يقوده الحرس الثوري الإيراني القوة العسكرية الأكثر نفوذاً في البلاد. أما رفض الاتفاق فيعني الذهاب نحو تصعيد خطير قد يشمل استهدافاً مباشراً لمنشآت الطاقة الإيرانية في ظل استعداد أميركي متزايد لاستخدام القوة.
الخيار الثالث أي المماطلة وكسب الوقت لم يعد مضمون النتائج كما في السابق. فبحسب مصادر في البيت الأبيض بدأ دونالد ترامب يفقد صبره تجاه الأسلوب الإيراني التقليدي في التفاوض. الرسالة التي تنقل في هذا السياق واضحة إما اتفاق سريع أو ضربة عسكرية تقدم كنصر سياسي داخلي يتبعها تشديد الحصار البحري حتى إخضاع إيران بالكامل.
بهذا المعنى لم يعد الصراع خارجياً فقط بل بات داخلياً أيضاً. إيران اليوم لا تواجه فقط ضغوطاً أميركية بل تعيش أزمة قرار داخلية تهدد بتفكيك تماسكها السياسي. وبين سلطة تبحث عن مخرج دبلوماسي ومؤسسة عسكرية ترفض التراجع يبدو النظام الإيراني عالقاً في لحظة ضياع حقيقية حيث كل خيار يحمل في طياته كلفة وجودية.

