هل ما يزال العيش معاً ممكناً في اليوم التالي للحرب؟

هل ما يزال العيش معاً ممكناً في اليوم التالي للحرب؟

  • ١٧ نيسان ٢٠٢٦
  • أنطوان الخوري طوق

الخوف أن يكون نسف الجسور وعزل الجنوب عن لبنان مؤشراً على نسف جسور الحوار والتلاقي والعيش المشترك بين اللبنانيين.

الخوف أن يكون نسف الجسور وعزل الجنوب عن لبنان مؤشراً على نسف جسور الحوار والتلاقي والعيش المشترك بين اللبنانيين.فهل تقطيع أوصال لبنان قد يؤدي إلى قطع صلات الرحم بين المكونات اللبنانية؟ وهل لبنان القائم تاريخياً على صيغة العيش المشترك وعلى التعدّد الطائفي والتنوع الفكري والثقافي كمتنفَّس للحرية في هذا الشرق المحكوم بأنظمة استبدادية ومرجعيات دينية وقبائل مذهبية موغِلة في التقليد والاستتباع، هل هو نموذج في طريق الانحلال؟ وهل كثافة النزوح الداخلي بفعل العدوان الإسرائيلي، والخوف والحذر من إيواء النازحين في مناطق عديدة من لبنان والذي تعمّقه الاستهدافات الإسرائيلية عن سابق تصوّر وتصميم لتعميق الهوّة بين اللبنانيين، هل يقضي كل ذلك على مناعة العيش معاً في لبنان؟ وهل خطاب الكراهية القائم على التحريض الطائفي بين "نحن" و"هم" وعلى التعميم والعنف اللفظي والتهديد بالحرب الأهلية والذي يعرّف الوطن بطريقة إقصائية ويحوّل الاختلاف إلى عداء هويّاتيّ وجودي والكراهية الى رأي عامّ يهيئ المجتمع لتقبل الدم والمطالبة به ، هل كلّ هذه الأمور تعمل على زعزعة عيش اللبنانيين معاً؟

وهل صحيح أن حزب الله بتعنّته ومقاومته لأي نقاش أو مساءلة حول جدوى سلاحه، وبفتحه شهية إسرائيل للإبادة والتدمير، وبمغامراته العبثية المتهوّرة، وبإيداعه لبنان ورقة في أيدي الحرس الثوري الإيراني وتحويله إلى صندوق بريد دامٍ تُوجّه من خلاله الرسائل في كل اتجاه للداخل والخارج معًا، وهل صحيح أن كل ذلك قد جعل العديد من اللبنانيين من جميع الطوائف يراهنون على همجية إسرائيل كمنقذ لهم من سطوة الحزب المزمنة ومن لعبه المميت بمصائر جميع اللبنانيين؟

وهل اعتبار عدو عدوي صديقًا وعدم إدانة التوحش الإسرائيلي من قبل فئات وازنة قد ينسف عقد الشراكة بين اللبنانيين؟ وهل العيش معًا يستقيم في بلاد واحدة منقسمة على ذاتها وكأنّها عدة بلدان في ظل ضعف الدولة وفقدان الثقة بقدرتها على لجم هذا الجنون الحزب الإلهي والإسرائيلي؟ وهل ما يقوله اللبنانيون عن العيش معًا في العلن هو غير ما يقولونه في السر في بيئاتهم المتعددة؟ وهل صحيح أنّ اللبنانيين يتخوفون من أن أي انتصار للحزب على إسرائيل في الميدان لأنه قد يستثمر في ذلك بمزيد من إحكام القبضة على الداخل دولة ومؤسسات؟

وهل هناك من يقول للشيخ نعيم قاسم أنّ الثبات في الميدان رغم اندفاع وشجاعة وتضحيات المقاتلين ليس انتصارًا؟ هل هناك من يقول له أن محو القرى والمدن وجرف البيوت والحقول ومعها الأحلام والذكريات وأن استهداف الناس على الطرقات وتضخّم عدّاد الموت ليلًا ونهارًا ليس انتصارًا؟ هل هناك من يقول له إن إضعاف الدولة عبر العراضات السيّارة والهتافات "صهيوني" ضدّ رئيس الحكومة رجل الدولة التاريخي الذي يؤوي ويطعم النازحين بات يعمّق الشرخ بين اللبنانيين؟ وهل هناك من يقول للشيخ نعيم قاسم ومعاونيه بأن الخروج من الزمن السوري للدخول في الزمن الإيراني ومن ثم في الزمن الإسرائيلي لن يكون في مصلحة العيش معًا لأن التجربة اللبنانية هي نقيض الكيان الإسرائيلي؟ وهل هناك من يقول له إنّ اللبنانيين ليسوا مجبرين على تقديم أوراق اعتماد انتمائهم إلى أي حزب مهما علا شأنه؟ وإنّ لبنان الذي كان يقول بأنه آخر من يوقّع سلامًا مع إسرائيل قد أجبرته حروب حزب الله المقدسة على التفاوض مباشرة مع العدو لتحرير الأرض اللبنانية من الاحتلال الذي استجلبه؟ وهنا لا بدّ من التساؤل: هل سنحتفل بعد شهر من الآن في 25 أيار بعيد المقاومة والتحرير والجنوب مدمّر ومحتلّ؟ علينا أن نقول لحزب الله بأن الحرب ليست قدر اللبنانيين لا سيما الشيعة منهم، وأن سياسة الإنكار واتّخاذ اللبنانيين دروعًا بشرية ورهائن للمشروع الإيراني كلّها قد جلبت الكوارث والويلات عليهم.

فالانتصار الحقيقي هو ألَا نخسر بعضنا وأن لا نعيش بوجه بعضنا البعض أو مع بعضنا البعض إنما نعيش معًا في ظل دولة سيدة قوية، إذ لا قيمة للبنان هذا البلد الصغير والفقير إلّا لكونه متعدّدًا ومتنوعًا ورسالة حرية وعيش مشترك بين المسيحيين والمسلمين في الشرق والغرب كما قال البابا يوحنا بولس الثاني يومًا.

وجوابًا عن السؤال المطروح في العنوان: نعم لا يزال العيش معًا ممكنًا في لبنان ولكن العيش مع سلاح حزب الله لم يكن ولم يعُد ممكنًا، كذلك لا يمكن العيش مع أيديولوجيّته وبعده الإيراني ومجتمعه المقفل إلا بعد تفكيك العقلية الجهادية التي تمجّد الموت، وتقدّس العنف.

ولم يعد السؤال ما إذا كان العيش المشترك قائمًا بل إذا كان ما تبقّى منه قادرًا على الصمود في ظل حروب حزب الله الغزّاوية والثأريّة الإيرانية.

فهذه الصيغة التي لطالما شكّلت جوهر الكيان اللبناني وعلّة وجوده لم تعد بديهية، بل أصبحت موضع اختبار يومي في ظل أزمات سياسية واقتصادية وأمنية، وفي ظلّ حروب إسناد الهية حيث تندثر الحواضر ويموت البشر ويُرمون على أرصفة الشوارع في تداخل غريب للداخلي بالإقليمي بالدولي بحيث تضيع حدود الدولة. إن لبنان منذ نشوئه قد قام على فكرة التوازن الدقيق بين مكوّناته، لا على الغلبة غير أن هذا التوازن بدأ يتآكل تدريجياً مع إضعاف الدولة ومؤسساتها وتراجع قدرتها على فرض سلطتها على كامل أراضيها.وفي هذا السياق يبرز دور حزب الله كعنصر إشكالي أساسي في النقاش الداخلي، إذ يرى فيه البعض قوة مقاومة تحمي البلاد وتردع إسرائيل، علمًا بأن الحروب الأخيرة قد أسقطت هذا الادّعاء.بينما يعتبره آخرون عامل اختلال في ميزان الشراكة الوطنية بسبب امتلاكه قرار السلم والحرب خارج إطار الدولة، إذ بنى دويلة مكتملة العناصر داخل الدولة لها حدودها ومناطقها ومرّبعاتها الأمنية وسلاحها وجيشها وماليتها واقتصادها الموازي والذي تغذّيه تجارة الممنوعات، كما لها مدارسها ومناهجها.

لقد بنى مجتمع حرب مؤدلجًا هو نقيض للاجماع اللبناني بثقافته ومفاهيمه للحياة والموت، بنى مجتمعًا خاصًّا به بحسينيّاته وعروضه العسكرية وعراضاته في الشوارع وقبضاته وهتافاته وعاداته وتقاليده وجيوشه الإلكترونية التي تبث سموم الفرقة ومواقعه الإخبارية وصحافته المقروءة والمسموعة وأبواقه التي تتقن الكلام الخشبي والتحايل على المصطلحات، حتى أنّ العديد من المحللين باتوا يجدون صعوية في لبننة الحزب سياسيًا واجتماعيًا. هذا الانقسام العامودي في النظرة إلى حزب الله يعكس انقسامًا أعمق في مفهوم الدولة نفسها: هل هي المرجعية الوحيدة للسلاح والقرار السيادي أم أنها مجرد إطار بين أطر متعددة تتقاسم السلطة والنفوذ؟

وهنا يتجاوز النقاش حزب الله كتنظيم عسكري ليطال بنية النظام اللبناني برمته القائم على تسويات هشّة أكثر منها على عقد اجتماعي ووطني صلب.ولكنّ اختزال أزمة العيش المشترك بحزب الله وحده قد لا يفي بغرض النقاش، فلبنان يعاني أيضًا من استشراء فساد ومن انهيار اقتصادي غير مسبوقين، ومن طبقة سياسية هي عبارة عن تحالف بين المافيا والميليشيا، طبقة سياسية عاجزة عن إنتاج حلول حقيقية للأزمات التي سرعان ما تتحول إلى أزمات طائفية تستدعي الخارج القريب والبعيد، كما أن الصراعات الإقليمية تضغط باستمرار على الداخل اللبناني وتعيد إنتاج منطق الاصطفاف والانقسام.

ورغم كل ذلك، لا يمكن القول إن العيش المشترك قد انهار وقد اِختفى. فالمجتمع اللبناني في حياته اليومية لا يزال يحتفظ بأشكال مختلفة ومتعددة من التفاعل والتعايش بين مكوّناته رغم اختلاف ظروف العيش والأمان بين منطقة وأخرى، ولا يزال هناك في اليوم التالي دور للنخب المدنية والعلمانية التي خبرت العيش معاً رغم الحروب والأهوال، غير أن التعايش في لبنان قد أصبح هشًّا وأقرب إلى هدنة غير معلنة منه إلى شراكة مستقرة. وهذا ما يطرح السؤال الأهم: إلى متى يمكن لهذا التوازن الهشّ أن يستمر؟

إنّ انقاذ العيش المشترك وإعادة بناء جسور التلاقي بين اللبنانيين لا يمر عبر إلغاء أي مكوّن ولا عبر تكريس منطق الغلبة ووصاية حزب الله على البلاد بل عبر إعادة بناء الدولة على أسس واضحة. فلا عيش معاً إلا في ظل الدولة القوية القادرة، ولا عيش معاً في غياب الثقة بقدرة الدولة ودورها في فرض سيادة القانون ووحدة القرار وفي الشراكة الفعلية بين جميع اللبنانيين، دولة مواطنة لا دولة محسوبيات ومحاصصة، وهذا يتطلب حواراً صريحاً حول القضايا الخلافية، والذي يجب ألّا يطال مبدأ وجود الدستور والدولة وفي مقدمة هذه القضايا مسألة السلاح ودور الدولة بعيداً عن "السلبطة" والعنتريات الوهمية وشعارات العمالة والتخوين والاستفزاز المتعمد لكلّ الجماعات اللبنانية.

وفي المحصلة، فإن العيش المشترك لم يمت لكنه يتآكل ولم يعد مضمونًا، علمًا أنّ العيش معًا هو الضامن والمنقذ لكل طائفة لبنانية إذ يحميها من أن تأكل بعضها في صراعاتها على السلطة، فالعيش معاً يقف اليوم على مفترق طرق: إما أن يُعاد تأسيسه على قواعد أكثر عدالة وصلابة واستشرافًا للمستقبل، أو يستمرّ في التآكل إلى أن يفقد معناه، وفي هذه الحال يصبح وجود لبنان من دون معنى.وبين هذين الخيارين تبقى المسؤولية جماعية لا سيما مسؤولية النخب الذكية ومسؤولية الذين ما يزالون يؤمنون بأنّ لبنان لا يمكن أن يعيش إلا إذا كان وطناً للجميع.

فالعـيش المشترك لا يقوم على المجاملة ولا على إنكار الوقائع مهما كانت مؤلمة، هو يقوم على قاعدة بسيطة: لا شراكة من دون مساواة ومن دون دولة واحدة تحتكر القرار وكل ما عدا ذلك ليس سوى ادارة مؤقتة لأزمة مفتوحة، لأنّ ما نعيشه اليوم ليس شراكة وطنية بل توازن قلق مفروض بقوة الأمر الواقع حيث تُدار البلاد بمنطق القوة والسلاح بدل منطق الدولة، إذ حين يمتلك طرف واحد القدرة على فرض خيارات مصيرية على الجميع يصبح الكلام عن عيش واحد أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة.

فالمسألة ليست مجرّد خلاف سياسي عادي بل مسألة تمسّ جوهر الكيان اللبناني إذ يجب ألّا يُستخدم شعار العيش معًا لتجميل واقع الانقسام وفي هذه الحال لا يكون الخطر في الاختلاف بل في الاعتياد عليه كأمر طبيعي، حينها لا ينهار الوطن دفعة واحدة بل يذوب تدريجيًا حتّى الاختفاء.