بالفيديو- الذباب الإلكتروني .. إشاعات بدوام كامل
بالفيديو- الذباب الإلكتروني .. إشاعات بدوام كامل
واحد يطبّل، وآخر يزمّر، وثالث يوزّع الإشاعات على مجموعات واتساب.
في عالم الإنترنت، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة معركة جديدة، يسعى التشويش الإلكتروني لتشكيل واقع موازٍ بأجندات خفية. ومن هنا، تم تشبيه هذه الحسابات بـ«الذباب الإلكتروني»، تلك الأسراب التي تنتشر على الشبكة العنكبوتية بأسلوب متقن يهدف إلى إرباك الرأي العام، إثارة الفوضى، وتوجيه الأفراد نحو وجهات نظر بعيدة عن الحقيقة.
ما يميز هذه الجيوش الإلكترونية هو قدرتها على التحرك والإنتشار بسرعة، وكأنّها أسراب من الذباب الذي لا يتوقف عن الطنين. وكل ذلك من خلف شاشات مجهولة الهوية أو معروفة، وبآليات مبرمجة بدقة.
الإعلامية رغد أبو علوان تعرض هذه الظاهرة بأسلوب السخرية السوداء، تثير مسألة انحدار النقاش العام على لسان الجيوش الإلكترونية المنظمة، والموجهة لخلق مناخ سياسي واجتماعي عام خدمة لمصالح مشغليها. حيث تحوّل الطنين الإلكتروني إلى سلاح يستخدمه مشغلوه لتحقيق أهدافهم الخفية. مستعينة بتصوير لاذع يجعل من الذباب الإلكتروني كائنًا حاضرًا في كل لحظة على منصات التواصل، يطنّ بأصوات محمّلة بالكذب والتضليل، ويخلق جوًا من الفوضى.
تقول: تدخل إلى فيسبوك صباحاً، فتكتشف بكل بساطة وبلا أي مجهود يُذكر أنّ «الذباب الإلكتروني» سبقك إلى القهوة، واحتلّ الطاولة، وبدأ إفطاره عليها، وغداءه وعشاءه أيضاً. فيوحي لك أن تتمنى له الصحة والعافية!
وتضيف أبو علوان، يتمّ إغراق المنصات بحملات إعلامية مدفوعة، صيفاً وشتاءً وربيعاً، تتجاور فيها الصواريخ مع الأعياد، والحروب الإقليمية مع نوبات المطر، والأزمات الاقتصادية مع الآيس كريم والصوبيا.. والذباب الإلكتروني حاضر في كل الفصول، بينما الربيع لسبب ما زال عالقاً عند مضيق هرمز.
وكل ذلك لهدف نبيل جداً، كما يزعمون: أن يشكّ كلّ واحد في أخيه، وجاره، وأهل بلده، بل وأكثر من ذلك.
فالقصة اليوم لم تعد مجرّد تعليقات عابرة، بل صارت حسابات مدفوعة على فيسبوك وتويتر وإنستغرام وواتساب وتيليغرام، مهمتها نشر الإشاعة، وإشعال البلبلة، وضرب السلم الأهلي، أو تحقيق أهداف سياسية بوجه شعبي مستعار.
الذباب الإلكتروني لا يكتفي بالطنين، بل يُمهّد الأرضية للفوضى والانقسام، بكلمات منمّقة أحياناً، ومسمومة غالباً ليفتح الباب لصراعات داخلية، وربما حروب طائفية وكل ذلك بالكلمة فقط.
هذا ليس خيالاً، بل واقع يومي نعيشه في سوريا ولبنان.
وبلهجة ساخرة تصف الذباب الإلكتروني بأنّه بات يملك دواماً رسمياً يفوق دوام الموظفين الحكوميين: تدخل صباحاً إلى فيسبوك أو تويتر، فتجد «اجتماع طوارئ» قائماً على قدم وساق:
أحدهم يبشّر بحرب أهلية على الزاوية
وثانٍ يقسم أنّ الدولار سيخرق سقف السماء
وثالث يحلف أنّ فلاناً باع البلاد وفلاناً اشتراها
ورابع يحلّل صعود الذهب وهبوط النفط وكأنّه يدير بورصة كونية.
والأطرف من ذلك أنّ جميع الحسابات تبدو وكأنّها «صوت الحقيقة» و«لسان الشعب الحر»، بينما هي عند التدقيق أقرب إلى فرقة موسيقية منسّقة:
واحد يطبّل،
وآخر يزمّر،
وثالث يوزّع الإشاعات على مجموعات واتساب.
وتختم، هكذا، بدل أن يطنّ الذباب حول الطعام، صار يطنّ حول عقول الناس.
ولو أنّ جزءاً يسيراً من هذه الطاقة والأموال وُجّه لخدمة الناس، لربما اقتربنا من المدينة الفاضلة، أو على الأقل، لما بقينا ننتظر الربيع العالق هناك.
لكن، لا بأس، فكما يقول المثل الشعبي «فقد صار للذبابة دكّانة»… وتُغلق باكراً أيضاً!

