«الفرنجيان»: خطاب الخشب ولغة النشارة

«الفرنجيان»: خطاب الخشب ولغة النشارة

  • ٢٣ نيسان ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

«السياسة المفيدة» لا تُبنى على استعادة الماضي فقط، بل على القدرة على قراءة التحولات وإعادة التموضع داخلها. ومن يعجز عن ذلك، ينسحب تدريجياً من دائرة الفعل إلى هامش التكرار

لم تنجح محاولات سليمان فرنجية في التقرّب من جوزاف عون، ولا في إظهار نفسه كأنّه جزء من المزاج الرئاسي الجديد الذي يقود اليوم مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل. فالرجل، في كل إطلالاته الأخيرة، بدا كمن يتحدث من زمن آخر، لا يشبه هذا العهد ولا أولوياته، ولا حتى حساباته.

 حاول أن يلين عباراته، أن يُدخل شيئاً من الود الشخصي في مخاطبة الرئيس، لكن السياسة لا تُقاس بالعواطف، وما يقوله فرنجية لا يشبه، في الجوهر، ما يقوم به عون. هنا سقطت المحاولة التي لم يُكتب لها النجاح، إذ لا يمكن الجمع بين خطاب يهاجم فكرة التفاوض المباشر ويشكك بوسيطها الأميركي وبدور السلطة اللبنانية، وبين واقع سياسي عنوانه هذا التفاوض نفسه ومحاولات السلطة فرض سيادتها وقرارها على أراضيها.

فالمسألة ليست سوء تفاهم عابر، بل اختلاف عميق في مقاربة الدولة ودورها، وفي فهم اللحظة السياسية التي يعيشها لبنان.

يتصرف سليمان فرنجية كما لو أنّ الزمن توقف عند حرب تموز 2006، حين كان «حزب الله» قادراً على تجيير فعله العسكري في الداخل اللبناني، وتحويله إلى رصيد سياسي في ميزان القوى المحلي.

يومها، كان يمكن لخطاب «سردية المقاومة» أن يتمدد في الشارع، وأن يفرض نفسه كحقيقة شبه جامعة، أو على الأقل كأمر واقع لا يمكن كسره.

 أما اليوم، فالمعادلة تغيّرت جذرياً. الحرب لم تعد تُقرأ بالطريقة ذاتها، ولا نتائجها تُسوَّق كما في السابق، ولا حتى البيئة الداخلية تتلقفها بالحماسة نفسها. ومع ذلك، لا يزال فرنجية يتحدث بلغة خشبية، مكررة ومملة، كأنّ الزمن لم يمرّ على مفرداته، وكأنّ الوقائع الجديدة مجرد تفصيل عابر لا يستحق إعادة النظر.

هذا الانفصال عن الواقع لا يظهر فقط في المواقف الكبرى، بل أيضاً في التفاصيل. فبينما ينشغل لبنان الرسمي بإعادة رسم موقعه، وبمحاولة الخروج من منطق المواجهة المفتوحة إلى منطق إنهاء الصراع، يصر فرنجية على إعادة إنتاج خطاب قديم، يختزل التعقيدات في شعارات أدبية عن «الثبات والمبادئ والموقف»، ويحوّل السياسة إلى تكرار.

 هو لا يرى أنّ التوازنات تبدلت، ولا أنّ أولويات الناس تغيّرت، ولا أنّ فكرة «الحرب المفتوحة» فقدت بريقها حتى داخل البيئات التي كانت تحتضنها.

ومع ذلك، يفاخر فرنجية بثباته. يقدّم نفسه كمن لم يبدل، لم يتراجع، لم يساوم. لكنه لا يدرك، أو لا يريد أن يدرك، أنّ الثبات في السياسة ليس فضيلة دائماً.

 أحياناً يكون مرادفاً للجمود، والجمود خيار تعيس وقاتل في عالم متحوّل. الثبات الذي لا يَقرأ المتغيرات، ولا يتكيّف مع الوقائع، يتحوّل إلى عبء على صاحبه، يقلّص فرصه، ويغلق أمامه أبواب المستقبل. فالسياسة ليست اختبار في الوفاء للماضي، بل قدرة على فهم الحاضر واستشراف ما سيأتي، ومن يعجز عن ذلك يبقى أسير لحظة لم تعد قائمة.

في المقابل، حاول إبنه، النائب طوني فرنجية، أن يفتح نافذة مختلفة، ولو بخجل. تحدّث عن الدولة الواحدة والسلاح الواحد منذ أشهر، وأوحى، في جلساته ومواقفه، بأنّه أقرب إلى نبض شريحة واسعة من الشباب المسيحي اللبناني، الذين لم يعودوا يرون أنفسهم في سرديات «المقاومة»، ولا يجدون في خطاب المواجهة الدائمة ما يعبّر عن قلقهم اليومي والسياسي أو حتى عن تطلعاتهم المستقبلية. بدا، للحظة، وكأنّه يسعى إلى إعادة تموضع، إلى تخفيف الأعباء التاريخية عن كاهل إسمه، إلى تقديم نفسه كوجه يمكن أن يتواصل مع جيل جديد بلغة مختلفة، أقل حدة وأكثر واقعية.

لكن ما يقوله، على أهميته، لا يزال أشبه بنشارة متناثرة: أفكار غير متماسكة، تفقد قدرتها على التحوّل إلى موقف صلب طالما بقيت تحت سقف والده السياسي. فالنشارة، مهما تراكمت، لا تتحول إلى جذع صلب ما لم تُعاد صياغتها بالكامل. وهنا تكمن معضلة طوني، هو يحاول أن يتمايز، لكن من دون أن يقطع، يلمّح من دون أن يحسم، يقترب من خطاب جديد من دون أن يغادر عباءة القديم.

لكن ما بناه الإبن بخجل، هدمه الأب بثقة. في مقابلات قليلة أجراها مع صحيفة «الجمهورية» وقناة «الميادين»، قَوَّض سليمان فرصة طوني في الظهور كشخصية جدية مستقلة، قادرة على إنتاج خطاب سياسي قابل للحياة خارج عباءة الماضي. أعاد شدّه إلى السردية ذاتها، إلى الإصطفاف ذاته، إلى اللغة التي فقدت الكثير من قدرتها على الإقناع. بدا الأمر، إما كخلاف مكتوم داخل البيت الواحد، أو كتوزيع أدوار محسوب بين أب يتمسك بخطابه التقليدي، وإبن يحاول التسلل نحو مساحات أوسع من دون أن يصطدم به مباشرة. لكن النتيجة، في الحالتين، لم تكن إيجابية، لا الأب استطاع أن يقدم جديد ولا الإبن تقدم شعبياً.

المشكلة أعمق من مجرد اختلاف في الأسلوب. «تيار المردة»، منذ نشأته، بقي تياراً شمالياً محدود القدرة والأثر، يدور في فلك زعامته التقليدية، ويعتاش على شبكة من الخدمات والانتفاع، ولم يستطِع أن يتحول إلى حزب سياسي وطني عابر للمناطق والطوائف.

 لم ينجح طوني في كسر هذه الحلقة، لكنه أيضاً لم يُمنح الفرصة الكاملة. فمواقف سليمان، بثباتها الجامد، رسمت سقفاً منخفضاً لا يمكن تجاوزه، وأبقت «التيار» أسير خيارات لا تتلاءم مع تحولات البلد. فوق ذلك، فإنّ المجتمع الذي يفترض أن يمثله «التيار» بات في مكان آخر، سياسياً ونفسياً، فيما السلطة اللبنانية الحالية تسير في اتجاه بعيد عن توجهات فرنجية، ما يجعل مستقبله السياسي أكثر ضيقاً وانحساراً.

الأدهى أنّ حتى حلفاء أقرب إلى خط «المقاومة» وأكثر قابلية للإستغلال السياسي والشعبي بدوا أكثر براغماتية. جبران باسيل، مثلاً، تراجع خطوة إلى الوراء، وأعاد تموضعه بما يتلاءم مع التحولات، وكذلك فعل وئام وهاب الذي حاول أن يخفف من حدة اندفاعه، تاركاً لنفسه هامشاً واسعاً للمناورة. هؤلاء، على اختلافهم، فهموا أنّ السياسة بعد الحرب ليست كما قبلها، وأنّ التصلّب قد يكون مكلفاً بحد ذاته. وحده فرنجية بدا كمن يصر على الوقوف في المكان الذي تغيّر من حوله، غير مدرك أنّ الثبات في موقع خاطئ لا يُحسب صموداً، بل عزلة.

هنا، يصبح السؤال عن مستقبل طوني أكثر إلحاحاً. لا يمكن لرجل أن يبني حضوراً وطنياً حقيقياً وهو مربوط بآراء وسطوة والده، ومحكوم بسقف لا يضعه هو، بل يُفرض عليه من ذاكرة سياسية تعيش على اجترار الماضي وأدبياته. لا يكفي أن يتحدث بلغة مختلفة، أو أن يُلمِّح إلى مواقف أكثر انسجاماً مع التحولات. المطلوب مسافة حقيقية، لا مجرد اختلاف في النبرة، وقرار واضح بالانتقال من الظل إلى الفعل.

أما سليمان، فيبدو عالقاً في زمن مضى، يحارب بسيفه الرث طواحين الهواء، ويكرر مفرداته ويستعيد معاركه كأنّها ما زالت قائمة بكل شروطها القديمة. غير أنّ «السياسة المفيدة» لا تُبنى على استعادة الماضي فقط، بل على القدرة على قراءة التحولات وإعادة التموضع داخلها. ومن يعجز عن ذلك، لا يفقد تأثيره السياسي فقط، بل ينسحب تدريجياً من دائرة الفعل إلى هامش التكرار، حيث تصبح المواقف أقل صلة بالواقع، وأقل قدرة على إنتاج شعبية أو حتى مستقبل يمكن التعويل عليه.