عملية «نيميسيس».. كيف انتقم الأرمن من «ثلاثي الموت»؟
عملية «نيميسيس».. كيف انتقم الأرمن من «ثلاثي الموت»؟
نيميسيس» كانت محاولة لإعادة إنتاج مفهوم العدالة خارج مؤسساتها التقليدية، حيث شعرت جماعة كاملة أنّ النظام الدولي لم يملك الإرادة الكافية لمساءلة الجريمة الكبرى.
تُستعاد الذكرى السنوية للإبادة الأرمنية كل 24 نيسان، لا بوصفها محطة في تقويم التاريخ فحسب، بل باعتبارها جرحاً ممتداً في الوعي الأرمني، وندبة لم ينجح قرن كامل من الزمن في تحويلها إلى ذكرى عادية يمكن تأريخها دون انفعال.
لكن هذه الذكرى، في أحد أكثر أبعادها حساسية وإثارة للجدل، لا تقف عند حدود الحداد أو التوثيق، بل تمتد إلى فصل آخر ظل ملازماً لها منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى، وهو فصل الانتقام الذي جسّدته عملية «نيميسيس»، حيث خرج الشتات الأرمني من موقع الضحية إلى موقع الفعل، مستهدفاً ما اعتبره «ثلاثي الموت» الذي هندس وشارك في الإبادة.
فالإبادة الأرمنية لم تكن حدثاً عابراً في سياق حرب كبرى، بل مشروعاً منظماً استهدف الوجود نفسه، الإنسان بوصفه هوية، والهوية بوصفها خطراً يجب إزالته. لكن ما يرافق هذه الذكرى في كل عام لا يقتصر على استعادة الألم، بل يتجاوزه إلى سؤال العدالة الذي ظل معلقاً منذ اللحظة الأولى لانتهاء الحرب العالمية الأولى، حين انهارت الإمبراطورية العثمانية وخرج كبار المسؤولين عن سياساتها بحق الأرمن من مسرح الدولة دون أن يخرج معهم حكم قضائي يوازي حجم الجريمة.
وفي تلك الفجوة بين انهيار السلطة وغياب المحاسبة، نشأ شعور عميق لدى الشتات الأرمني بأنّ العدالة الدولية، كما تشكلت آنذاك، ليست سوى وعد نظري لا يكفي وحده لاستعادة التوازن الأخلاقي للعالم. ومن هذا الفراغ تحديداً وُلدت عملية «نيميسيس»، التي أطلقها الاتحاد الثوري الأرمني في بدايات عشرينيات القرن الماضي، مستعيراً اسمها من الأسطورة الإغريقية التي تجسّد فكرة القصاص الإلهي من الظلم، ولكن محولاً هذا المعنى إلى مشروع بشري شديد التنظيم والدقة.
لم تكن العملية عملاً عاطفياً أو ردة فعل فوضوية، بل شبكة من الأفراد والمهمات والملفات التي جرى إعدادها بعناية، بحيث تحولت الذاكرة الجماعية إلى لائحة أسماء قابلة للتتبع والتنفيذ في أكثر من مدينة وعاصمة. وكان الهدف واضحاً ومحدداً منذ البداية: ملاحقة أبرز المسؤولين المباشرين عن الإبادة أينما لجأوا بعد الحرب، وإعادة طرح سؤال المسؤولية الفردية في زمن حاول فيه كثيرون الاختباء خلف انهيار الدول وتبدل الخرائط.
في قلب هذه العملية برز إسم طلعت باشا، وزير الداخلية العثماني وأحد أبرز مهندسي سياسات الترحيل والإبادة خلال الحرب. كان وجوده في برلين عام 1921 كافياً ليعيد فتح ملف لم يُغلق أصلاً، حيث نفذ صوغومون تهليريان عملية اغتياله في وضح النهار، لتتحول الحادثة من فعل فردي إلى قضية رأي عام في محكمة ألمانية وجدت نفسها أمام شهادة تاريخ كامل أكثر من كونها أمام متهم واحد. والمفارقة أنّ المحكمة انتهت إلى تبرئة تهليريان، وكأنّها، من حيث لا تقصد، اعترفت بثقل الجريمة التي سبقته وبالفراغ الأخلاقي الذي أحاط بها.
ثم جاء دور جمال باشا، الحاكم العسكري لبلاد الشام خلال الحرب العالمية الأولى، والذي ارتبط اسمه بسلسلة الإعدامات التي طالت النخب العربية والأرمنية في بيروت ودمشق، في سياق سياسة قمعية اتخذت طابعاً مركزياً في إدارة الجبهة الداخلية. وفي تبليسي، عاصمة جورجيا، عام 1922، انتهت حياته ضمن عملية نفذها ثلاثة أرمن من «نيميسيس»، في تنفيذ بدا سريعاً ودقيقاً، وكأنّه يُغلق فصلاً طويلاً من العنف الإداري المنظم الذي مثّله في سنوات الحرب.
أما أنور باشا، أحد أبرز وجوه الإبادة وصاحب الطموحات الإمبراطورية التي امتدت من الأناضول إلى آسيا الوسطى، فقد انتهت رحلته في فضاء مختلف تماماً عن مسرح صنع القرار. بعد سقوط الدولة العثمانية، وجد نفسه في مناطق مضطربة من آسيا الوسطى، حيث انتهى به المطاف عام 1922 في اشتباك مسلح مع قوات مسلحة هناك، لتنتهي حياته هناك، بعيداً عن المراكز التي كان فيها فاعلاً سياسياً وعسكرياً، وكأنّ المسافة الجغرافية بين الحلم وسقوطه كانت هي الإطار الأخير لسيرته.
بهذه الطريقة، لم تكن «نيميسيس» مجرد سلسلة عمليات اغتيال، بل كانت تعبيراً عن محاولة لإعادة إنتاج مفهوم العدالة خارج مؤسساتها التقليدية، في لحظة تاريخية شعرت فيها جماعة كاملة أنّ النظام الدولي لم يملك الإرادة الكافية لمساءلة الجريمة الكبرى التي سبقت تشكله. من هنا، فإنّ ما سُمّي يوماً بـ«العدالة الدولية» لم يكن في كثير من الحالات سوى تسوية بين الدول، لا بين الجلاد والضحية، الأمر الذي جعل بعض الجماعات ترى أنّ العدالة، حين تُحجب طويلاً، لا تُنتظر دائماً، بل تُنتزع، وأنّ التاريخ، في بعض لحظاته القاسية، لا يكتب أحكامه في المحاكم فقط، بل أيضاً في الفعل المباشر وبالمسدس والخنجر في أيدي الشباب.

