دعوا الحزب للحرب.. وأعطونا كأس العالم
دعوا الحزب للحرب.. وأعطونا كأس العالم
بعد شهر، سيجلس كثيرون يشاهدون مباراة تمتد٩٠ دقيقة من دون أن يسألوا أنفسهم ماذا غرد أفيخاي أدرعي أو قال نعيم قاسم.
في أحد الوثائقيات عن الحرب الأهلية اللبنانية، يروي جورج حاوي، بشيء من التحسّر والاستغراب، لحظة من لحظات دخول إسرائيل إلى بيروت عام 1982. يقول رئيس الحزب الشيوعي:«تخيّلنا أنّ العالم سيهتز لأنّ بيروت تحترق.، شوارع الجزائر تمتلئ بمئات آلاف الناس، وإذ بنا نتفاجأ أنّ المظاهرة كانت دعماً لفريق الجزائر الذي انتصر على ألمانيا في كأس العالم»
ربما كانت تلك اللحظة، من دون أن ينتبه أحد، واحدة من أكثر اللحظات صدقاً في فهم البشر.
الناس، في النهاية، لا تعيش على الحروب. الشعوب لا تستيقظ صباحاً لتفكر بخطابات التعبئة، بل، أحياناً، بنتائج المباريات وما هو مُسلٍّ لها.
وبينما تدور اليوم شبه حرب بين «حزب الله» وإسرائيل، هناك شيء آخر يقترب بهدوء: كأس العالم. بعد شهر فقط، سيبدأ لبنان طقوسه الجميلة. ستختفي فجأة كل تلك النبرة الثقيلة التي أراد البعض فرضها على اللبنانيين. سيعود الناس إلى طبيعتهم، مجرد بشر يريدون الحياة والفرح لا أكثر.
سيرتفع علم البرازيل على كل شرفة يقابله آخر لألمانيا «نكاية»، فيما أعلام الأرجنتين واسبانيا وانكلترا سترفرف بفخر فوق مقهى في جونية وجبيل وطرابلس والحازمية، وسيتحول شارع كامل إلى جدل «فلسفي» حول ما إذا كان المنتخب الفرنسي مبالغاً في تقديره أم لا. سيعود الرجال والنساء إلى الجلوس حول الطاولات في المقاهي والحانات، يدخنون ويشربون البيرة، وإلى الصراخ على الحكم و «تحليل أصله وفصله»، كما تحليل خطط المدربين كأنّهم أعضاء في الجهاز الفني. ستعود الشتائم الجميلة المفعمة بالصور المجازية التي يولّدها تسلل خاطئ، والنقاشات العبثية حول ركلات الجزاء، والرهانات الصغيرة التي تعني للناس أكثر بكثير من كل رهانات «محور المقاومة».
وبصراحة، هذا أمر صحي. ليس مطلوباً من اللبناني أن يحمل العالم فوق كتفيه كل صباح. ليس مطلوباً منه أن يتحول إلى جندي احتياط في حرب لا تشبه حياته أصلاً. معظم اللبنانيين لا يريدون الموت في الجنوب، ولا يريدون تحرير القدس، ولا يريدون متابعة نشرات الأخبار العسكرية طوال الليل. وربما، دون مبالغة، يتمنى كثير من اللبنانيين هلاك «حزب الله» وانتهاء هذه الحرب معه. بعضنا يريد فقط أن يعرف إن كان منتخبه المفضل يملك جناحاً سريعاً بما يكفي للوصول إلى مرمى الخصم وتسجيل هدف.
بعد شهر، سيكون خبر «هل ركلة الجزاء صحيحة؟» أكثر إلحاحاً عند الناس من خبر سقوط صاروخ في قرية جنوبية مدمرة. وسيجلس كثيرون يشاهدون مباراة تمتد 90 دقيقة من دون أن يسألوا أنفسهم ماذا غرد أفيخاي أدرعي أو قال نعيم قاسم.
وهذا، في مكان ما، هزيمة قاسية لكل الذين بنوا سلطتهم على الخوف الدائم. فهناك أناس يريدون للبناني أن يبقى معلقاً دائماً بين جنازة وأخرى، بين نشرة عاجلة وأخرى، بين تهديد وآخر. يريدونه كائناً لا يحق له أن يفرح، ولا أن يرفع علماً إلا إذا كان راية حرب. يريدونه منتقماً لدم الحسين وظلم فاطمة وزينب. لكن كأس العالم، كل أربع سنوات، يأتي كنوع من العصيان الجماعي على هذا المزاج الجنائزي الأسود الذي صبغه «حزب الله» على مجتمعنا.
فجأة سيكتشف أنصار الحزب أنّ الناس يفضلون تمريرة حاسمة على الميليشيا، وهدفاً في الدقيقة التسعين على خطاب تعبوي طويل، وأغنية «مونديالية» سخيفة على أنشودة «سنخوض البحر معك».
وربما هنا تكمن أجمل أشكال الشفاء الجماعي في لبنان. أن يتوقف الناس، ولو لشهر واحد، عن التصرّف كأنّهم يعيشون داخل خندق. أن يعودوا إلى اهتماماتهم الصغيرة والتافهة والرائعة. أن ينشغلوا بألوان القمصان، لا بأنواع مسيّرات الحزب. أن يتجادلوا حول التشكيلة الأساسية، لا حول أعداد القتلى.
فالحياة، في النهاية، ليست بياناً عسكرياً ولا حرباً أبدية. فيما «المقاومة»، مهما حاولوا تسويقها، ليست قدراً مقدساً عند معظم اللبنانيين. أما المونديال، فهو الطقس الوحيد الذي لا يحتاج إلى أيديولوجيا كي يجمع الناس. فلنفرح ونتسلَّ لشهر كامل، ولندَع «حزب الله» وحيداً.

