حين يصبح كسر المدرسة «احتفالًا».. من يوقف هذا الانحدار ؟

حين يصبح كسر المدرسة «احتفالًا».. من يوقف هذا الانحدار ؟

  • ١٧ أيار ٢٠٢٦
  • خاص بيروت تايم

كتبت ندى مفرج سعيد على حسابها على فايسبوك شغب طلابي ميليشياوي موثق بفيديو بفخر!!! بين وزارة التربية والقضاء المدرسة والاهل ، من يوقف تعميم ثقافة الفوضى ؟

في زمنٍ تُصرف فيه آلاف الدولارات على التعليم، وتُرفع فيه شعارات «بناء جيل المستقبل»، جاءت مشاهد ما حدث في الليسيه الفرنسية اللبنانية (Grand Lycée Franco-Libanais ) لتطرح سؤالًا مرعبًا يتجاوز الحادثة نفسها: أيّ مستقبل يُبنى على هذا القدر من العنف، وانهيار الانتماء، وتحوّل الفضاء التربوي إلى ساحة فوضى؟ مشاهد ما حدث تفتح ليس فقط ملف الشغب الطلابي، بل ملف الدولة، والقانون، ومعنى التربية نفسها.

منا جميعًا عاش فرحة آخر يوم مدرسة. ضحكنا، لعبنا، احتفلنا بطريقتنا، وربما ارتكبنا بعض الحماقات البريئة. لكن أحدًا لم يعتبر يوم التخرّج مناسبة لتحطيم المدرسة التي احتضنته لسنوات، أو لإرهاب طلاب آخرين، أو لرش مواد خطرة داخل الصفوف، أو لتحويل مؤسسة تعليمية إلى مشهد أقرب إلى الفوضى المنظمة.

ما جرى في آخر يوم لبعض طلاب الصفوف المنتهية((Terminal لم يكن «احتفالًا». كان انهيارًا سلوكيًا جماعيًا، وسقوطًا تربويًا وأخلاقيًا مدويًا: أقنعة سوداء، مفرقعات، تكسير متعمد، وايضا تصوير بفخر للفوضى وكأنها إنجاز ونسر الفيديو على مواقع التواصل ، وصولًا إلى إصابة أحد الطلاب بجروح في عينه ونقل عدد من الطلاب إلى المستشفى بعد رش مادة سامة داخل الصفوف. أيّ منطق يمكن أن يبرر ذلك؟ وأي «احتفال» يتحول إلى خطر على حياة الآخرين؟

لكن خلف الصدمة المباشرة، يفرض المشهد أسئلة أعمق وأكثر إزعاجًا، لا يمكن الهروب منها. هل ما حدث هو مجرد تصرف مراهقين خرج عن السيطرة، أم نتيجة تراكم طويل لانفصال نفسي وتربوي بين الطالب ومؤسسته التعليمية؟

هل يمكن أن يكون الطالب الذي يكسر مدرسته لا يشعر أصلًا بأنّها «مدرسته»، بل مكانًا مؤقتًا بلا انتماء؟

ومن أين يتعلم الطلاب هذا الشكل من العدائية؟

هل هو انعكاس مباشر لثقافة رقمية باتت تُحوّل الفوضى إلى محتوى، والتكسير إلى مادة قابلة للمشاركة والإعجاب، حيث يصبح العنف «مشهدًا» أكثر منه فعلًا أخلاقيًا له تبعات؟

وإلى أي مدى تتحمل وسائل التواصل الاجتماعي مسؤولية تطبيع هذا السلوك، حين تُكافئ المبالغة والصدمة والتمرد المصوَّر، وتحوّل التحدي إلى قيمة بحد ذاته؟

لكن هل يكفي تحميل وسائل التراصل الإجتماعي المسؤولية وحدها؟

أم أنّ السؤال الأعمق يتعلق بالمدرسة التي سمحت بهذه الفوضى وبالبيت الغائب تحت عناوين الحداثة والانشغال الدائم؟

هل فراغ التربية اليومية  من الضبط، والمتابعة، والحوار، ووضع الحدود، قد ترك مساحة واسعة ليملأها الشارع الرقمي وجماعة الأقران وثقافة الاستعراض؟

هل أصبح «التحديث» ذريعة غير مباشرة لتخفيف دور الأهل بدل تطويره؟

وأين يتوقف مفهوم الحرية التربوية ويبدأ مفهوم الإهمال التربوي؟

ثم هناك أسئلة أكثر عمقًا تمس جوهر العلاقة بين الفرد والمدرسة والمجتمع:

هل يعيش هذا الجيل أزمة انتماء حقيقية، لا للمدرسة فقط بل لكل سلطة أو إطار أو قانون؟

هل أصبح رفض النظام جزءًا من هوية شبابية مشوهة تُترجم بالعنف بدل التعبير؟

أم أنّ العنف هنا هو لغة بديلة لجيل فقد أدوات التعبير الهادئ عن الغضب والضغط والرفض؟

هل المدرسة اليوم ما زالت فضاءً تربويًا حيًا، أم تحولت إلى إدارة تعليمية بلا روح تربوية قادرة على الاحتواء؟

وهل يمكن لمؤسسة فقدت جزءًا من معناها الرمزي أن تطالب بالاحترام الكامل من طلاب لم يعودوا يشعرون بالانتماء إليها؟

ثم سؤال أكثر قسوة وجرأة:

هل ما نراه هو مجرد «شغب آخر يوم»، أم مؤشر على أزمة أعمق في معنى التربية نفسها؟ أم أزمة علاقة بين الإنسان وحدود المجتمع؟ بين الحرية والمسؤولية؟ بين الفرد والجماعة؟

وهل نحن أمام جيل لا يجد في المؤسسات لغة يفهمها، فيردّ بلغة الفوضى بدل الحوار؟

ومع كل هذه الأسئلة، تبقى حقيقة واحدة واضحة: مهما كانت الخلفيات النفسية أو الاجتماعية أو الثقافية، فإن ما حدث لا يمكن تبريره أو تطبيعه أو التعامل معه كأنّه تفصيل عابر. فالضرر طال طلابًا، وأمنًا، ومؤسسة كاملة، ومعنى التعليم نفسه.

إنّ ما جرى ليس مجرد حادثة، بل جرس إنذار. لأّن المجتمع الذي لا يواجه هذه الأسئلة بصدق، ولا يضع حدودًا واضحة بين الحرية والفوضى، قد يجد نفسه أمام تكرار أكثر خطورة في المستقبل، ليس في مدرسة فقط، بل في كل مؤسسة يفترض أن تحمل معنى النظام والانتماء.

يبقى موقف وزارة التربية و البعثة العلمانية الفرنسية (Mission laïque Française) ووكالة التعليم الفرنسي في الخارج(LAEFE)

أساسيًا في مثل هذه الحوادث، باعتبارها الجهات الرسمية المخوّلة بالإشراف على المؤسسات التعليمية ، وضبط معايير السلامة والانضباط التربوي داخلها. فالتدخل لا يكون فقط إداريًا أو توجيهيًا، بل يمكن أن يتخذ طابعًا رقابيًا يفرض على المدرسة تقديم تقارير واضحة عمّا حدث، وكيف تمّ التعامل معه، وما الإجراءات التي ستُتخذ لمنع تكراره.

لكن السؤال القانوني الأوسع يفرض نفسه هنا: هل يكفي الدور الإداري لوزارة التربية وحده؟ أم أن ما حدث يضع الملف أيضًا أمام القضاء، خصوصًا عندما تتحول الأفعال إلى اعتداءات جسدية، وتعريض سلامة الطلاب للخطر، وتخريب متعمد لممتلكات مؤسسة تعليمية؟ في هذه الحالة، لا يعود الأمر مجرد «مشكلة تربوية داخلية»، بل يصبح ملفًا يمكن أن يُسلك قضائيًا لضبط المسؤوليات الفردية ومنع خلق سابقة تُكرَّر في مدارس أخرى.

هنا يظهر تقاطع واضح بين الدور التربوي والدور القضائي: الوزارة لضبط الإطار التعليمي، والقضاء لضمان المساءلة ومنع الإفلات من المحاسبة، كي لا يتحول ما حصل إلى نموذج قابل للانتشار أو التقليد في مدارس أخرى تحت عنوان«الاحتفال».

أما السؤال الأعمق، فيتجاوز الإجراءات إلى الصورة: أي رسالة يريد هذا السلوك أن يعكسها عن الجيل الذي يقوم به؟ هل هي صورة جيل خارج عن القانون، منفصل عن مفهوم الإدارة والانضباط، يرى في كسر القواعد نوعًا من التعبير أو «الحرية»؟ أم أنّنا أمام تشوّه في فهم الحرية نفسها، حيث تتحول من مسؤولية إلى فوضى، ومن حقّ إلى اعتداء على حق الآخرين؟

إنّ خطورة هذه المشاهد لا تكمن فقط في ما حدث داخل جدران مدرسة واحدة، بل في الصورة التي يمكن أن تُصدَّر عن علاقة الجيل الجديد بالمؤسسات: هل هي علاقة إصلاح وتطوير ونقد بنّاء؟ أم علاقة صدام وكسر ورفض مطلق لأي إطار قانوني أو تربوي؟