شهداء الجيش اللبناني.. تُقسّم دماؤهم حسب هوية المجرم
شهداء الجيش اللبناني.. تُقسّم دماؤهم حسب هوية المجرم
لماذا يختفي المعيار نفسه عند الحديث عن تجار المخدرات الذين قتلوا جنوداً لبنانيين؟
شـهداء الجيش اللبناني دفعوا دماءهم ثمناً للأمن والاستقرار في البلاد، ومع ذلك يبدو أنّ البعض نسيهم تماماً. بينما الإنشغال الأكبر لهؤلاء يتركز على الموقوفين الإسلاميين، تتجاهل السياسة هؤلاء الذين سقطوا دفاعاً عن الوطن.
قد يكون من الصائب عدم شمول ما يُسمّى العفو العام بعض الجماعات الإسلامية المتشددة التي تورطت فعلياً في قتل العسكريين ولم تُلفق لها ملفات كما حصل مع غيرهم، لكن التساؤل المؤلم يبقى: لماذا يختفي المعيار نفسه عند الحديث عن تجار المخدرات الذين قتلوا جنوداً لبنانيين أيضاً؟ أين العدالة التي يُفترض أن تحمي دم كل عسكري؟ وهل أصبحت دماء شهداء الجيش قابلة للتمييز بحسب هوى السياسة أو نوعية المجرم؟
هذا الانقسام في المعايير يضع ضغوطاً إضافية على المؤسسات الأمنية ويزيد شعور فقدان العدالة بين عائلات الشهداء، ويثير سؤالاً رئيسياً: هل دم العسكري اللبناني واحد حقاً، أم أنّ التضحيات تُقاس بمعايير مزدوجة؟
من المؤهل بول جوزيف سمعان إلى الرقيب جورج عبدو أبو شعيا، ومن الرقيب خضر سليمان إلى بدر بغداد وعلي نصرالله، وآخرين كثيرين، دفع الجيش اللبناني ثمناً باهظاً في مواجهة العصابات المسلحة وتجار المخدرات، فيما يتحول ذكرهم أحياناً إلى مادة انتقائية في النقاش السياسي.
في عام ٢٠٠٩، وقعت كمين مسلح على دورية عسكرية على طريق رياق – زحلة نفذته مجموعة مرتبطة بتاجر المخدرات علي عباس جعفر، وأسفر عن استشهاد:
المؤهل محمود أحمد مرون
الرقيب خضر أحمد سليمان
العريف زكريا أحمد حبلص
العريف بدر حسين بدر بغداد
بعد ثلاث سنوات في العام ٢٠١٢، عادت الشراونة إلى الواجهة، إذ تعرضت دورية من مفرزة بعلبك القضائية لكمين بعد توقيف مطلوبين من آل جعفر، ما أدى إلى استشهاد المؤهل علي نصرالله وإصابة رتيبين آخرين.
وفي ٢٠١٥، استشهد الرقيب الأول إدمون رياض سمعان أثناء مشاركته مع مكتب مكافحة المخدرات في مداهمة أحد أخطر المطلوبين في الحمودية - البقاع. سمعان إبن البترون لم يمضِ في الخدمة سوى أربع سنوات، لكنه ترك إرثاً من الشجاعة والأوسمة العسكرية، ورُقّي بعد استشهاده إلى رتبة معاون.
في ٢٠١٦، شهدت منطقة الهرمل والقصر تصاعد التوتر بعد مقتل العسكري في مخابرات الجيش، علي ماجد القاق، على يد مسلحين من آل جعفر، بالتزامن مع اعتراض المطلوب حمدان علي صبحي جعفر حاجزاً عسكرياً في إيعات.
أما في ٢٠١٧، فقد استشهد الرقيب الأول شادي ريشار الحاج خلال مداهمة أمنية في منطقة الرويسات لملاحقة مطلوبين، بينما شهدت السنوات اللاحقة سلسلة من الاشتباكات التي أودت بحياة عدة عناصر من الجيش:
٢٠١٨: المجند رؤوف حسن يزبك استشهد بعد رد مسلحين على عملية أسفرت عن قتل أربعة من كبار المطلوبين في الشراونة.
٢٠٢٠: العسكريان أحمد حيدر أحمد وحسن عز الدين سقطا خلال اشتباك مع المطلوب خضر إبراهيم دندش وعناصر من عشيرته.
٢٠٢٢: اشتباك واسع أثناء عملية دهم ضد المطلوب علي منذر زعيتر (أبو سلة) أدى إلى استشهاد عنصر من مخابرات الجيش وإصابة خمسة آخرين.
٢٠٢٣: في حورتعلا – البقاع، استشهد كل من الرقيب حسن خليل شريف، المعاون جورج عبدو أبو شعيا، والجندي بول جوزيف سمعان خلال عملية دهم لمطلوبين بتجارة المخدرات.
٢٠٢٥: خلال مداهمات مديرية المخابرات في الشراون - بعلبك، سقط العسكريان بلال برادعي وعلي حيدر بعد اشتباكات مع مسلحين متورطين في تجارة المخدرات.
بين كل هذه العمليات، يبقى الجيش اللبناني في الخطوط الأمامية، يدفع الثمن، بينما يتحول ذكر الشهداء أحياناً إلى نقاش سياسي انتقائي، ما يطرح السؤال المؤلم: هل دم العسكري اللبناني واحد فعلاً، أم أنّ حتى شهداء الجيش أصبحوا درجات؟

