في مئويته الأولى: هل حان موعد تبديل الدستور اللبناني؟

في مئويته الأولى: هل حان موعد تبديل الدستور اللبناني؟

  • ٢٣ أيار ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

هذا الدستور، على علاته وتعقيداته وتراكم التفسيرات حوله، هو في الواقع أفضل ما أنتجه اللبنانيون حتى الآن

في كل ذكرى دستورية كبرى، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: هل ما زال الدستور اللبناني صالحاً كما هو، أم أنّ الزمن تجاوزه، وبالتالي آن أوان استبداله أو إعادة صياغته من جديد؟

لكن قبل الاندفاع نحو هذا السؤال، ربما من المفيد العودة خطوة إلى الخلف، إلى لحظة التأسيس نفسها، لا بوصفها حدثاً قانونياً، بل بوصفها لحظة توافق تاريخي نادر في بلد لم يُبنَ على الإنسجام بين المواطنين، بل على إدارة التعدّد بين الطوائف.

فالدستور اللبناني، في نسخته الأولى عام ١٩٢٦، لم يأتِ من فراغ، ولم يصدر عن سلطة مركزية متجانسة، بل صاغته لجنة ضمّت ممثلين عن مختلف الطوائف والمكوّنات الأساسية في البلاد آنذاك، تحت إشراف الإنتداب الفرنسي. كان ذلك في جوهره أول «تسوية كبرى» بين الجماعات اللبنانية، حيث لم يكن ممكناً إنتاج دولة دون الاعتراف المسبق بتعددها، ولا صياغة نصّ دستوري دون المرور عبر هذا التعدد نفسه.

منذ تلك اللحظة، دخلت الطوائف في قلب البنية الدستورية، لا كعنصر اجتماعي فقط، بل كفاعل سياسي تأسيسي. ومع تطوّر الدولة، لم يتراجع هذا الدور، بل تعمّق وتكرس في محطات مفصلية لاحقة، أبرزها «الميثاق الوطني»، ثم «اتفاق الطائف» الذي أعاد توزيع الصلاحيات وأكد مجدداً أنّ شرعية السلطة في لبنان لا تنفصل عن «ميثاق العيش المشترك» الذي أصبح أحد الأعمدة غير القابلة للتجاوز في النظام الدستوري.

وفي هذا السياق، لا يبدو الدستور اللبناني مجرد نصّ قانوني جامد، بل إطاراً معقداً لتوازن دقيق بين مكونات البلاد. فهو من جهة يؤسس لمبادئ الدولة الحديثة، من سيادة القانون إلى المؤسسات والفصل بين السلطات، لكنه من جهة أخرى يعكس بنية التعدّد الطائفي التي لم تكن يوماً تفصيلاً ثانوياً، بل جزءاً من تكوين النظام نفسه.

في قلب هذا البناء، تبرز مواد أساسية لا يمكن فهم النظام من دونها، وعلى رأسها المبدأ الذي يربط شرعية أي سلطة بمدى التزامها بـ«ميثاق العيش المشترك» (الفقرة «ي» من مقدمة الدستور). هذا المبدأ لا يضع الشرعية في إطارها الإجرائي فقط، بل يربطها مباشرة بالتوازن بين الطوائف، أي أنّ الدولة لا تُختزل في أجهزتها، بل في قدرتها على الحفاظ على صيغة التعايش نفسها التي قامت عليها.

ومن هنا أيضاً، جاء تثبيت الطائفية السياسية كآلية تنظيم لا يمكن تجاهلها في إدارة السلطة. ومع أنّ «إتفاق الطائف» نصّ في مقدمته على أنّ إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني يُعمل على تحقيقه تدريجياً، إلا أنّ التجربة العملية أظهرت أنّ هذا الهدف، حتى اليوم، ما زال في إطار التدرّج الطويل المرتبط بتطور المجتمع، لا بقرار دستوري مباشر. إذ بقيت الطائفية السياسية، بكل ما تحمله من إشكاليات، الإطار الأكثر استقراراً في ضبط التوازنات ومنع الانفجار داخل النظام السياسي.

من هذا المنظور، يمكن القول إنّ هذا الدستور، على علاته وتعقيداته وتراكم التفسيرات حوله، هو في الواقع أفضل ما أنتجه اللبنانيون حتى الآن. ليس لأنّه نصّ مثالي، بل لأنّه النصّ الوحيد الذي نجح في استيعاب بلد متعدّد إلى هذا الحد ضمن إطار دولة واحدة، دون أن ينزلق إلى التفكك الكامل أو الانفصال.

انطلاقاً من ذلك، يبدو طرح فكرة استبدال الدستور أو الدخول في مشروع دستور جديد بالكامل، سواء تحت عناوين الفدرالية، أو إلغاء الطائفية السياسية دفعة واحدة، أو المثالثة أو غيرها من الصيغ الكبرى، طرحاً محفوفاً بمخاطر بنيوية حقيقية. فهذه المشاريع، رغم ما تحمله أحياناً من نوايا إصلاحية، تفترض ضمنياً أنّ المشكلة تكمن في النصّ، بينما التجربة اللبنانية تشير إلى أنّ الإشكالية أعمق بكثير، ويتعلق بميزان التعايش نفسه، لا بصياغته القانونية فقط.

بل إنّ الأخطر من ذلك، أنّ فتح مسار دستوري شامل في لحظة سياسية وإقليمية شديدة التعقيد، حيث يعيش لبنان أصلاً على إيقاع انقسامات حادة وأزمات متراكمة، قد يؤدي إلى نتائج غير محسوبة، بدل أن يفضي إلى استقرار جديد. فالدساتير في الدول المتعدّدة ليست مجرد نصوص قابلة للاستبدال السريع، بل هي تعبير عن تسويات دقيقة، وأي مسٍّ جذري بها يحتاج إلى ظروف غير متوفرة اليوم.

وفي هذا السياق، تبرز أيضاً إشكالية الربط بين الملفات السياسية الكبرى، كمسألة السلاح خارج إطار الدولة، وبين إعادة صياغة النظام الدستوري. فطرح مقايضة من نوع: تعديل الدستور مقابل تسويات كبرى تتعلق بسلاح «حزب الله»، هو طرح بالغ الخطورة من حيث المبدأ، لأنّه يخلط بين مستويات مختلفة من بنية الدولة. فالنقاش حول السلاح، أيّاً كانت تفاصيله، هو نقاش يتعلق بقرار الدولة ووظيفة المؤسسات، بينما الدستور هو الإطار الذي يحدد هذه المؤسسات نفسها. وخلط المستويين معاً لا يؤدي إلى حلّ، بل إلى تعقيد مضاعف يطال أصل فكرة الدولة.

إنّ التجربة اللبنانية، في مئة عام من الدستور، لم تُنتج نموذجاً مثالياً، لكنها أنتجت نموذجاً قابلاً للاستمرار في بلد شديد التعقيد. وربما تكمن القيمة الأساسية لهذا الدستور في أنّه لم يدّعِِ يوماً أنّه أنهى المشكلة، بل اكتفى بإدارتها ضمن حدود الممكن.

لهذا، قد لا يكون السؤال الحقيقي اليوم: هل حان موعد تبديل الدستور؟ بل ربما: هل نملك ترف فتح هذا السؤال من الأساس، في ظل واقع ما زال يبحث عن الحد الأدنى من الاستقرار داخل الإطار القائم؟

وفي كل الأحوال، يبقى الدستور، رغم كل الجدل حوله، هو الإطار الوحيد الذي ما زال يجمع اللبنانيين داخل فكرة دولة واحدة، حتى عندما يختلفون على كل شيء آخر.