ترامب التائه يواجه إيران الثابتة

ترامب التائه يواجه إيران الثابتة

  • ٢٩ أيار ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

بين التصعيد والدبلوماسية، وبين التهديد وإغراءات التسوية، تبدو السياسة الأميركية وكأنّها تتحرك وفق إيقاع متغير يصعب فهمه أو البناء عليه.

في خضم المفاوضات الطويلة والمواجهات السياسية المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران، يبدو أنّ المشهد يعكس مفارقة لافتة. فمن جهة، تظهر طهران بموقف ثابت وواضح المعالم، ومن جهة أخرى تبدو واشنطن، وخصوصاً الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وكأنّها تنتقل يومياً من موقف إلى آخر دون بوصلة سياسية واضحة.

خلال الأشهر الأخيرة، لم تتبدل المطالب الإيرانية بصورة جوهرية. فطهران ما زالت تتمسك بحقها في حماية مصالحها الاستراتيجية في الخليج، وترفض أي نقاش يمس جوهر برنامجها النووي أو قدراتها السيادية، كما تطالب بالإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة وتعتبر أنّ أي تسوية إقليمية يجب أن تتضمن وقف الحرب على حزب الله وإنهاء سياسة الضغوط العسكرية المتواصلة على حلفائها في المنطقة. قد يتفق المراقب أو يختلف مع هذه المطالب، لكنها بقيت ثابتة تقريباً منذ بداية المسار التفاوضي الحالي.

في المقابل، تبدو الرسائل الصادرة عن البيت الأبيض متناقضة إلى حد كبير. ففي يوم يتحدث ترامب عن استعداده لإبرام اتفاق تاريخي مع إيران ويصف قادتها بأنّهم أذكياء ويريدون التوصل إلى تفاهم، وفي يوم آخر يلوح بالخيار العسكري ويتحدث عن تدمير إيران واستهداف قياداتها. وفي مرحلة يخفف من شروطه للوصول إلى اتفاق سريع، ثم يعود لاحقاً إلى تبني مواقف أكثر تشدداً، ما يجعل من الصعب على الحلفاء والخصوم على حد سواء فهم الاتجاه الحقيقي للسياسة الأميركية.

هذا التردد لم ينعكس فقط على المفاوضات، بل بدأ يثير قلقاً لدى شركاء واشنطن الإقليميين. وتقول مصادر دبلوماسية خليجية إنّ المملكة العربية السعودية أعادت فتح قنوات التواصل مع إيران ليس بدافع الثقة بالنظام الإيراني أو التقارب معه، بل نتيجة قناعة متزايدة بأنّ الإدارة الأميركية الحالية قد تذهب في أي لحظة إلى صفقة تراها مناسبة لمصالحها الخاصة، حتى لو منحت طهران مكاسب استراتيجية مهمة.

 

وتضيف المصادر أنّ دول المنطقة لا تريد أن تجد نفسها في موقع المواجهة المباشرة مع إيران ثم تكتشف لاحقاً أنّ واشنطن قررت تغيير مسارها أو التوصل إلى تفاهم جديد. فبالنسبة للعواصم الخليجية، لم تعد المشكلة الأساسية مرتبطة فقط بسلوك إيران، بل أيضاً بعدم القدرة على فهم نوايا الرئيس الأميركي أو التنبؤ بأهدافه النهائية. فالتقلب المستمر في مواقفه وغياب الحسم في قراراته أضعفا صورة الولايات المتحدة وأثرا سلباً على مستوى الثقة الذي يمنحه الحلفاء لالتزاماتها وتعهداتها.

ويزداد هذا الانطباع قوة مع استمرار المواجهة الحالية. فترامب يمتلك تفوقاً عسكرياً ساحقاً ويقود الدولة الأقوى في العالم، لكنه لا يذهب إلى الحد الذي يسمح بإخضاع إيران بشكل كامل، وفي الوقت نفسه لا يتراجع نحو تسوية واضحة ومستقرة. أما إيران، فعلى الرغم من الضغوط والعقوبات والضربات التي تعرضت لها، فما زالت متمسكة بمواقفها الأساسية وتواصل تحدي واشنطن. وهذا المشهد المتناقض فتح الباب أمام تكهنات وتساؤلات كثيرة في المنطقة حول ما إذا كانت هناك تفاهمات غير معلنة أو خيوط تواصل خفية بين الطرفين، وهي تساؤلات تعكس حجم الضبابية التي باتت تحيط بالسياسة الأميركية أكثر مما تعكس حقائق مثبتة على الأرض.

لذلك، فإنّ السؤال الذي يطرح نفسه اليوم لم يعد مرتبطاً بما تريده طهران، فمواقفها معروفة إلى حد بعيد، بل بما يريده ترامب نفسه. فبين التصعيد والدبلوماسية، وبين التهديد وإغراءات التسوية، تبدو السياسة الأميركية وكأنّها تتحرك وفق إيقاع متغير يصعب فهمه أو البناء عليه. وفي منطقة لا تحتمل الكثير من الضبابية، قد يكون هذا التردد هو العامل الأكثر خطورة في المرحلة المقبلة.