من فؤاد شهاب إلى جوزاف عون.. هل تعود الدولة أقوى من الجميع
من فؤاد شهاب إلى جوزاف عون.. هل تعود الدولة أقوى من الجميع
في تاريخ لبنان الحديث، كانت الأحزاب تتقدم كلما ضعفت الدولة. أما حين نجحت الدولة في فرض حضورها، تحولت هذه القوى إلى شركاء داخل النظام بدل أن تكون بديلاً عنه.
إنّ قوة المواقف التي أطلقها الرئيس جوزاف عون مؤخراً تكمن في ما تكشفه عن رؤية جديدة لمكانة رئاسة الجمهورية ودور الدولة اللبنانية. عندما يؤكد عون أنّ لبنان لن يكون ورقة تفاوض في صراعات الآخرين، فهي المرة الأولى منذ سنوات طويلة، لا يبدو فيها رئيس الجمهورية وكأنّه يتحرك داخل المنطقة الرمادية بين الدولة والسلاح، بين السيادة والمحاور، وبين لبنان ومشاريع الآخرين. بل يذهب إلى إعادة تعريف موقع الرئاسة نفسها داخل النظام السياسي، في لحظة تبدو فيها الدولة في حاجة إلى استعادة مرجعيتها.
فؤاد شهاب الرئيس الذي لم يحتَج الى حزب
عند هذا المستوى، تعود إلى الواجهة المقارنة التاريخية مع تجربة فؤاد شهاب، لا بوصفها استدعاء للماضي، بل محاولة لفهم ما إذا كان لبنان يقف أمام اختبار شبيه: فهل تعود السيادة فوق الانقسامات، والدولة أقوى من الزعماء و فوق التحالفات العابرة.
عند انتخاب فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية عام ١٩٥٨- ١٩٦٤، كان لبنان خارجاً من واحدة من أخطر أزماته الداخلية. لم يلجأ شهاب إلى بناء حزب سياسي، ولم يسعَ إلى ترسيخ زعامة شعبوية أو طائفية تحمي عهده، بل ركّز على إعادة بناء الإدارة العامة، وتحديث المؤسسات، وتعزيز دور الجيش، وإطلاق مشاريع تنموية في المناطق المهمشة. وحاول إعادة تعريف ميزان القوة داخل النظام اللبناني: سلطة أقوى من الزعماء، إدارة أقل خضوعاً للمحسوبيات، ودولة تتقدم على الطوائف في إنتاج الشرعية والاستقرار. لم يكن هدفه إدارة الصراع بين الزعماء أو ترجيح كفة طرف على آخر، بل إعادة إنتاج دولة قادرة على أن تعلو فوق الجميع. وهذا تحديداً ما جعل الشهابية تتحول إلى مدرسة سياسية أكثر منها مجرد عهد رئاسي
رؤساء ما بعد شهاب
لكن التجربة الرئاسية اللبنانية بعد شهاب اتخذت مساراً مختلفاً. فالرئيس سليمان فرنجية لم يكن رجلَ حسم، ولم ينجح في منع الانزلاق نحو الحرب الأهلية. فيما أمين الجميل انشغل بملفات التسوية والصراع مع إسرائيل ومحاولات تثبيت اتفاق ١٧ أيار.
في مرحلة لاحقة، تولى إلياس الهراوي رئاسة ما بعد اتفاق الطائف، حيث أعيد بناء المؤسسات شكلياً، ولم يمتلك قاعدة سياسية مستقلة قادرة على فرض معادلة جديدة في الحياة الوطنية. أما إميل لحود، فقد ارتبط عهده بتمدد النفوذ السوري في الحياة السياسية اللبنانية، ما جعل موقع الرئاسة جزءاً من منظومة خارجية أكثر من كونه مركز قرار مستقل.
وفي عهد ميشال سليمان، طُرحت فكرة «تحييد لبنان» عبر إعلان بعبدا، لكن المشروع اصطدم بتناقضات داخلية وإقليمية أضعفت قدرته على التحول إلى سياسة دولة.
الى ميشال عون، الذي عاد إلى الرئاسة عبر تفاهم سياسي كبير مع حزب الله، ولهذا السبب لم تتمكن الرئاسة خلال عهده من لعب دور الحكم بين الدولة والحزب، وبدا خاضعاً لحزب الله بشكل مباشر.
جوزاف عون: العودة إلى المرجعية
في هذا السياق، تبدو خطوة الرئيس جوزاف عون مختلفة في لغتها. فالأحزاب التي كانت تاريخياً تملأ فراغ ضعف الرئاسة تبدو اليوم في موقع التكيف مع خطاب الدولة أكثر من قيادته. وسط هذا المشهد، لا يبدو أنّ الرئيس الجديد يسعى إلى تقديم نفسه كزعيم سياسي تقليدي أو كطرف إضافي في الصراع الداخلي. بل إنّ خطابه يوحي بمحاولة إعادة الاعتبار إلى مفهوم الدولة المرجعية، أي الدولة التي تمتلك قرارها وتتحدث باسم نفسها.
وهنا يكمن التشابه الأبرز مع فؤاد شهاب. فكلا الرجلين جاء من المؤسسة العسكرية، وكلاهما وصل إلى الرئاسة باعتباره شخصية جامعة أكثر منه ممثلاً لفريق سياسي محدد، وكلاهما يطرح فكرة أنّ استقرار لبنان يبدأ من قوة المؤسسات لا من قوة التحالفات.
ما الذي يجعل المهمة أصعب اليوم؟
لكن المقارنة لا تكتمل من دون الإشارة إلى الفارق الكبير بين المرحلتين.
فؤاد شهاب تسلم دولة كانت مؤسساتها لا تزال قائمة وقابلة للإصلاح. أما جوزاف عون فيواجه دولة تعرضت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أعمق الأزمات في تاريخها الحديث.
كما أنّ شهاب لم يكن مضطراً للتعامل مع حجم التشابكات الإقليمية والأمنية التي تواجهها الدولة اللبنانية اليوم، ولا مع واقع أصبحت فيه موازين القوى الداخلية أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
لذلك يبقى السؤال مفتوحاً: هل ينجح الرئيس جوزاف عون حيث تعثر معظم من سبقوه منذ انتهاء عهد فؤاد شهاب، في إعادة مركز الثقل من الأحزاب والمحاور إلى الدولة اللبنانية نفسها؟