حين تعود السعودية.. يتنفس الاقتصاد اللبناني

حين تعود السعودية.. يتنفس الاقتصاد اللبناني

  • ١٢ حزيران ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

لبنان تلقى إشارة واضحة؛ الباب العربي لم يُغلق نهائياً، لكنه لم يعد يُفتح مجاناً أيضاً.

ليست كل القرارات الاقتصادية مجرد أرقام وتقارير وجداول استيراد وتصدير. بعض القرارات يحمل معنى سياسياً أعمق بكثير. وقرار المملكة العربية السعودية استئناف استقبال الصادرات اللبنانية واحد من هذه القرارات.

ليست المسألة مجرد شاحنات ستعبر الحدود أو بضائع ستدخل الأسواق الخليجية مجدداً. المسألة أنّ لبنان تلقى إشارة واضحة؛ الباب العربي لم يُغلق نهائياً، لكنه لم يعد يُفتح مجاناً أيضاً.

طوال السنوات الماضية، تصرف لبنان الرسمي وكأنّ بإمكانه أن يعيش خارج محيطه العربي الطبيعي. وكأنّ الاقتصاد يمكن أن يقوم على الشعارات، أو على اقتصاد الحروب، أو على فكرة «الصمود» الدائم. لكن الحقيقة كانت أقسى بكثير. بلد صغير مثل لبنان لا يستطيع أن يعزل نفسه عن الخليج ثم يتوقع أن ينهض اقتصادياً بشكل طبيعي.

الدول الخليجية ليست تفصيلاً بالنسبة للبنان. هي الرئة المالية والاقتصادية الأساسية له منذ عقود. من التحويلات، إلى السياحة، إلى الاستثمارات، إلى فرص العمل، إلى الأسواق التصديرية. وفي لحظة الانهيار الكبرى التي أدخل حزب الله لبنان بها، ظهر حجم الوهم الذي عاشه البعض حين اعتقد أنّ لبنان يستطيع استبدال عمقه العربي بمشاريع إقليمية أخرى لا تبني اقتصاداً ولا تنتج استقراراً.

قبل قرار الحظر، بلغت قيمة الصادرات اللبنانية إلى السعودية نحو ٢٤٠ مليون دولار سنوياً على أقل تقدير، وكانت المملكة تشكل ما يقارب٦٪ من إجمالي صادرات لبنان، لتصبح ثالث أكبر وجهة تصديرية للبضائع اللبنانية. وهذه ليست أرقاماً هامشية بالنسبة لاقتصاد يختنق أساساً. فلبنان يصدّر إلى السعودية الأغذية والمشروبات والمعدات الكهربائية والمنتجات الكيميائية وغيرها من القطاعات التي تحتاج اليوم إلى أي نافذة حياة ممكنة.

لكن الأهم من الاقتصاد نفسه ربما، هو الرسالة السياسية خلف القرار. فالسعودية كأنّها تقول إنّ الخطوة جاءت بناء على الخطوات الإيجابية التي قامت بها الدولة اللبنانية لإعادة بناء مؤسساتها وتعزيز سيادتها.

للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، بدأ يظهر انطباع بأنّ هناك محاولة فعلية لإعادة الإمساك بالمؤسسات، وبالحدود، وبالقرار السيادي، وبالعلاقة الطبيعية مع العالم العربي. وهذه تحديداً هي النقطة التي فتحت الباب أمام القرار السعودي.

إنّ السعودية، كأي دول، لا تدعم الفراغ، ولا تستثمر في الفوضى، ولا تثق ببلد يبدو وكأنّه رهينة مشروع عسكري دائم.

المشكلة أنّ جزءاً من الحياة السياسية اللبنانية، وخاصة العهد القديم، أمضى سنوات وهو يتعامل مع الخليج وكأنّه تفصيل ثانوي يمكن الاستغناء عنه. فيما كان اللبناني العادي يدفع الثمن: مزارع يخسر سوقه، مصنع يقفل أبوابه، وشباب يهاجرون لأنّ الاقتصاد يموت ببطء.

العالم العربي، والخليج تحديداً، لم يكن يوماً عدواً للبنان. على العكس تماماً. معظم اللحظات الاقتصادية المزدهرة في تاريخ لبنان الحديث ارتبطت بعلاقته الطبيعية بالخليج. وكل لحظات الانهيار الكبرى تقريباً ارتبطت بعزله عن هذا المحيط أو بتحويله إلى ساحة صراع إقليمي.

الاقتصاد يحتاج استقراراً. يحتاج ثقة. يحتاج دولة. ويحتاج علاقات طبيعية مع الدول التي لا تزال ترى في لبنان شيئاً يستحق المساعدة.

أما فكرة أنّ بلداً منهكاً ومفلساً يمكنه أن يعيش إلى الأبد على إيقاع الصراعات والشعارات والسلاح، فقد أثبتت السنوات الماضية كم كانت مكلفة ومدمرة للجميع.

على العموم، يبقى الخبر الآتي من المملكة عظيماً للبنان، وهو قرار يستحق الإشادة، تماماً كما يستحق كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة اللبنانية الإشادة بنجاح مساعيهما لإعادة فتح إمكانية التصدير إلى المملكة.