نتنياهو يرفض الاتفاق.. ويحاول الانقلاب عليه من الجبهة اللبنانية
نتنياهو يرفض الاتفاق.. ويحاول الانقلاب عليه من الجبهة اللبنانية
حكومة نتنياهو لا تبدو مقتنعة بأنّ الاتفاق يلبي المصالح الإسرائيلية، بل ترى فيه تسوية تمنح إيران مكاسب سياسية دون أن تحصل تل أبيب على ما تعتبره حقوقها أو ضماناتها.
بين فرساي وطهران، وُقّع أمس الاتفاق المبدئي بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، فاتحاً الباب أمام ستين يوماً من المفاوضات التي يفترض أن تحدد مصير العلاقة بين البلدين لعقود مقبلة. ورغم أنّ الإتفاق لا يزال في بدايته، إلا أنّ أهميته لا تكمن في ما أُعلن عنه، بل في ما يمكن أن ينتج عنه إذا نجحت المفاوضات وتجاوز الطرفان العقبات التي غالباً ما تختبئ في التفاصيل.
من منظور واشنطن، يبدو الاتفاق أقرب إلى انتصار استراتيجي كبير. فالولايات المتحدة لا تسعى فقط إلى إنهاء الملف النووي الإيراني، بل إلى إعادة إيران تدريجياً إلى دائرة النفوذ الاقتصادي الغربي بعد سنوات من التوجه شرقاً نحو الصين وروسيا. وإذا اكتمل المسار الحالي، ستكون واشنطن قد نجحت في جذب الاستثمارات الإيرانية نحو الأسواق الغربية، وإنهاء أخطر ملف أمني يقلقها في الشرق الأوسط.
في المقابل، تستطيع طهران أيضاً الادعاء بأنّها حققت مكسباً مهماً. فبعد سنوات من العقوبات والحصار والضغوط السياسية، حصلت على اعتراف أميركي صريح بدورها كقوة إقليمية تمتلك مصالح ونفوذاً لا يمكن تجاهله. وهو اعتراف سعت إليه الجمهورية الإسلامية منذ قيامها عام ١٩٧٩.
لكن الطريق إلى الاتفاق النهائي ليس مضموناً. فهناك خصمان أساسيان يملكان القدرة على عرقلته أو حتى إسقاطه بالكامل.
الأول هو الداخل الإيراني نفسه. فالنظام الذي بنى جزءاً كبيراً من شرعيته على مواجهة «الشيطان الأكبر» سيجد نفسه مضطراً لتفسير كيف أصبح هذا الخصم التاريخي شريكاً سياسياً واقتصادياً. وقد تكون عملية تسويق هذا التحول داخل المجتمع الإيراني أكثر صعوبة من المفاوضات نفسها، خصوصاً أنّ جزءاً من مؤيدي النظام قام على خطاب العداء المطلق للولايات المتحدة.
أما الخصم الثاني فهو إسرائيل. فحكومة بنيامين نتنياهو لا تبدو مقتنعة بأنّ الاتفاق يلبي المصالح الإسرائيلية، بل ترى فيه تسوية تمنح إيران مكاسب سياسية دون أن تحصل تل أبيب على ما تعتبره حقوقها أو ضماناتها. ولهذا تركز إسرائيل على أربعة ملفات تعتبرها أولوية: غزة، ودروز سوريا، والضفة الغربية، ولبنان.
ومن هنا تبرز الجبهة اللبنانية كواحدة من أكثر الساحات حساسية خلال المرحلة المقبلة. فنتنياهو يدرك أنّ نجاح الاتفاق الأميركي الإيراني سيؤدي إلى تثبيت واقع إقليمي جديد قد لا يكون قادراً على تعديله لاحقاً. لذلك قد يسعى إلى فرض وقائع ميدانية قبل اكتمال المفاوضات، مستخدماً الساحة اللبنانية كورقة ضغط مباشرة على واشنطن وطهران معاً.
لهذا السبب لا يبدو أنّ الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية أو توقف العمليات العسكرية مطروحان في المدى المنظور. بل على العكس، قد تشهد المرحلة المقبلة تصعيداً إضافياً يهدف إلى فرض شروط إسرائيلية على أي ترتيبات إقليمية جديدة. فبالنسبة إلى نتنياهو، لا يكفي وجود اتفاق أميركي إيراني، بل يجب أن يكون اتفاقاً يضمن أيضاً المصالح الإسرائيلية. وحتى يتحقق ذلك، ستبقى الجبهة اللبنانية إحدى أبرز ساحات المواجهة ومحاولات التأثير على مسار الاتفاق ومستقبله.

