الحزب الذي لم يسقط .. لكنه لن ينتصر
الحزب الذي لم يسقط .. لكنه لن ينتصر
حزب الله لم يسقط بالضربة القاضية ولم ينتصر.. لقد تفادى السقوط، ومع تبدّل الظروف، سينضوي خلف حكومة نواف سلام مهما ارتفع الضجيج السياسي والإعلامي. وغداً لناظره قريب.
منذ اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، رافقت المشهد موجة إعلامية ضخمة تحدثت عن أنّ حزب الله انتهى وأنّه تلقى ضربة قاضية ستخرجه نهائياً من المعادلة اللبنانية والإقليمية. لكن مع تبدل مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتقدم مسار التفاهمات بين واشنطن وطهران، انقلب المشهد الإعلامي رأساً على عقب، فانتقلت بعض المنابر نفسها من الحديث عن نهاية الحزب إلى الحديث عن انتصاره وعن عودته لفرض نفوذه السياسي في لبنان. وبين رواية النهاية ورواية الانتصار، تبدو الوقائع أكثر تعقيداً من الشعارات التي يرفعها هذا الفريق أو ذاك.
صحيح أنّ الاتفاق الإيراني – الأميركي، إذا أبصر النور، سيشكل متنفساً مهماً لحزب الله. فالحزب الذي تكبد خسائر كبيرة في الميدان خلال الحرب الأخيرة سيحصل على ما يشبه التعويض المعنوي والسياسي، إذ إنّ الاتفاق سيحفظ ماء الوجه ويمنع خصومه من تصوير ما جرى على أنّه هزيمة نهائية أو انهيار كامل.
لكن الصحيح أيضاً أنّ الأحزاب في لبنان لا تنتهي إلا عندما تتخلى عنها بيئاتها. فالتاريخ اللبناني مليء بأمثلة لقوى سياسية تعرضت لعزلة وحصار وضربات قاسية لكنها استمرت لأنّ قواعدها الشعبية بقيت متمسكة بها. ففي تسعينيات القرن الماضي وقف العالم تقريباً ضد سمير جعجع وميشال عون، لكن أحداً لم يتمكن من إنهائهما سياسياً. والأمر نفسه ينطبق على حزب الله اليوم. فطالما أنّ بيئته ما زالت متمسكة به، فإنّه سيبقى لاعباً أساسياً في المعادلة اللبنانية.
لكن الاتفاق نفسه يحمل في طياته بذور المشكلة التي قد تواجه الحزب في السنوات المقبلة. فجوهر قوة حزب الله منذ تأسيسه كان السلاح، وأي مسار يؤدي في نهاية المطاف إلى التخلي عنه سيغير طبيعة الحزب وموقعه ودوره.
فالتاريخ يعلمنا أنّ الحركات التي نشأت حول قضية مسلحة تفقد مع الوقت جزءاً كبيراً من التعاطف الذي كانت تحظى به عندما تتخلى عن السلاح. فمنظمة التحرير الفلسطينية عندما كانت تحمل السلاح حظيت بتعاطف جزء كبير من اليسار العالمي، من اليابان إلى أميركا الجنوبية، لكن عندما تركت العمل المسلح تراجع حضورها وتراجعت القضية الفلسطينية في وجدان كثيرين حول العالم. والأمر نفسه ينطبق على القوات اللبنانية التي حظيت خلال الحرب الأهلية بتعاطف شرائح واسعة من المسيحيين في العالم، من أوروبا إلى مصر والسودان، باعتبارها تخوض معركة وجود بالنسبة إلى مؤيديها. لكن بعد انتهاء الحرب وتسليم السلاح تحولت إلى حزب سياسي كباقي الأحزاب.
لذلك فإنّ حزب الله، إذا تخلى عن سلاحه وعاد بالكامل إلى لبنانيته السياسية، سيبقى حزباً قوياً داخل بيئته الشيعية، لكنه لن يكون الحزب نفسه الذي عرفه لبنان خلال العقود الماضية. فالقضية التي حملها والحضور الذي بناه والتحالفات التي نسجها ارتبطت إلى حد كبير بامتلاكه السلاح ودوره العسكري في المنطقة.
فاليوم لا يملك الحزب حليفاً مسيحياً وازناً كما كان في مراحل سابقة، ولا يملك حليفاً سنياً مؤثراً يوفر له غطاءً وطنياً عريضاً. أما وليد جنبلاط فيبقى لاعباً يتحرك وفق توازنات القوى ومصالحه السياسية أكثر مما يتحرك وفق تحالفات ثابتة.و اذا كانت ايران إلى جانبه ففي المقابل، فإنّ النفوذ العربي، وخصوصاً السعودي، إضافة إلى النفوذ الغربي والتركي، يقف في الاتجاه المعاكس لمشروع الحزب وخياراته السياسية.
والأهم من ذلك أنّ البيئة اللبنانية نفسها تغيرت. فبعد كل ما جرى لم يعد ممكناً استخدام السلاح في الداخل كما كان في السابق، ولم يعد مشهد السابع من أيار قابلاً للتكرار. وبالتالي فإنّ المعركة المقبلة ستكون سياسية بامتياز، تحكمها التحالفات والانتخابات وموازين القوى داخل الدولة أكثر مما تحكمها موازين القوة العسكرية.
لذلك يمكن القول إنّ حزب الله لم يسقط بالضربة القاضية كما روج خصومه، لكنه في المقابل لم ينتصر كما يحاول بعض أنصاره تصوير المشهد. لقد تفادى السقوط، لكنه يدخل مرحلة جديدة تختلف جذرياً عن كل ما سبقها. مرحلة قد يكتشف فيها أنّ ما عجز خصومه عن تحقيقه بالضربة القاضية يمكن أن يتحقق بالنقاط، مع مرور الوقت وتبدل الظروف، فينضوي خلف حكومة نواف سلام مهما ارتفع الضجيج السياسي والإعلامي. وغداً لناظره قريب.

