حين سقط “طوكيو”..
هدم ذاكرة بيروتية
هذا الصباح، وأنا في طريقي إلى العمل على كورنيش بيروت، مررت بالقرب من مطعم “طوكيو” القديم، ذلك المبنى الغريب الذي كان يقف قرب المنارة القديمة، مقابل النادي الرياضي لكرة السلة. كان المبنى يُهدم. لم يكن المشهد صاخباً بالمعنى الدرامي للكلمة، لكنه كان موجعاً بطريقة صامتة. آليات الهدم كانت تقوم بعملها ببرودة، والغبار كان يتصاعد كأنه يطوي صفحة من ذاكرة المدينة من دون أن يستأذن أحداً.
شعرت بحزن غريب. ليس حزناً مباشراً على مكان عشت فيه أو مطعم ارتدته أو زاوية صنعت فيها ذكرى شخصية واضحة. في الحقيقة، لم أدخل “طوكيو” يوماً، ولم أتناول الطعام فيه. ومع ذلك، كان سقوطه يبدو شخصياً جداً. كأن هناك أماكن لا نحتاج إلى دخولها كي تصبح جزءاً منا. يكفي أن نمرّ بها طويلاً، أن نراها في طريقنا، أن تسكن المشهد اليومي للمدينة، حتى تتحول إلى علامة في ذاكرتنا.
كان “طوكيو” واحداً من أول المطاعم اليابانية في بيروت ولبنان، إن لم يكن أولها. في زمن لم يكن فيه السوشي موضة، ولا جزءاً من نمط الحياة اليومي كما هو اليوم، بدا وجود مطعم ياباني على شاطئ بيروت أشبه بفكرة قادمة من عالم آخر. في ثمانينيات الحرب الأهلية، لم تكن بيروت مدينة تملك ترف التجارب الكثيرة. كان الناس يركضون خلف البديهيات: الأمن، الخبز، المدرسة، البنزين، الكهرباء، والنجاة اليومية. وسط كل ذلك، كان هناك مطعم يقدّم طعاماً يابانياً لجمهور محدود جداً، في مدينة كان معظم أهلها لا يعرفون السوشي، وربما لا يرغبون في معرفته.
أهلي لم يأخذونا إلى “طوكيو”. السبب الأول كان بسيطاً وواضحاً: لم يكن بمقدورهم تحمل كلفة مطعم كهذا في تلك المرحلة. لكن السبب الثاني كان ربما أكثر صدقاً: لم يكن لديهم أي ميل إلى السوشي أو الطعام الياباني. لم يكن ذلك عيباً فيهم، بل كان جزءاً من زمن كامل. فكرة السمك النيء، بالنسبة إلى جيل تربى على التبولة والكبة والمشاوي والمائدة اللبنانية التقليدية، لم تكن مغرية بالضرورة. ربما كانت تبدو غريبة، وربما مضحكة، وربما غير مفهومة. كان “طوكيو” بالنسبة إلينا موجوداً هناك، قريباً من النظر وبعيداً عن التجربة.
وهذا بالتحديد ما جعل هدمه مؤلماً. بعض الأماكن لا تترك أثرها لأنها احتضنتنا من الداخل، بل لأنها رافقتنا من الخارج. “طوكيو” كان من هذه الأماكن. مبناه صاحب الشرفات الدائرية والعمارة غير المألوفة كان جزءاً من غرابة بيروت الجميلة. لم يكن يشبه ما حوله تماماً، لكنه مع الوقت أصبح من نسيج المكان. قد يكون بدأ كفكرة أجنبية، كمطعم ياباني على حافة المتوسط، لكنه انتهى كجزء من ذاكرة رأس بيروت والمنارة والبحر.
وهذه هي قدرة المدن الحية. تأخذ ما يأتيها من الخارج، تهضمه، تعيد تشكيله، ثم تجعله يبدو كأنه كان دائماً جزءاً منها. “طوكيو” لم يكن لبنانياً بالمعنى التقليدي، لكنه أصبح بيروتياً بامتياز. لم يعد مجرد مطعم ياباني، بل صار علامة من علامات المدينة، جزءاً من الطريق، من المشهد، من تلك الجغرافيا العاطفية التي لا ترسمها الخرائط ولا تحفظها السجلات الرسمية.
في السنوات الأخيرة، كان المبنى مهجوراً، وكأن موته بدأ قبل هدمه بزمن طويل. كان يقف هناك كذكرى معلقة، لا هو حي تماماً ولا هو غائب تماماً. يذكّرنا بزمن يصرّ كثيرون على تسميته “العصر الذهبي” لبيروت. طبعاً، الذاكرة ليست بريئة دائماً. وما نسميه عصراً ذهبياً لم يكن كذلك للجميع. بيروت القديمة، حتى في أجمل صورها، كانت تحمل داخلها الكثير من القسوة واللامساواة والخوف والحرب. لكن هذا لا يلغي أن لبعض الأبنية قدرة على حمل شعور جماعي، على تذكيرنا بما كانت عليه المدينة، أو بما كنا نريد أن تكون عليه.
لذلك، وأنا أرى “طوكيو” يُهدم، شعرت كأنني أفقد صلتي بقطعة صغيرة من ذاكرتي. ليس لأن لدي قصة داخل ذلك المطعم، بل لأن لدي قصة حوله. كان جزءاً من طريق العمل، من مشاهد الطفولة، من صورة بيروت التي كبرت معي. كان واحداً من تلك الأماكن التي نعتقد، بسذاجة، أنها ستبقى لأنها بقيت طويلاً. لكن المدن لا تحفظ ما نحب لمجرد أننا نحبه. والأبنية لا تنجو لأننا اعتدنا وجودها.
ومع ذلك، لا أريد أن أكتب هذا النص كمرثية للحنين فقط. فالحنين، مهما كان صادقاً، لا يكفي لبناء مدينة. بيروت لا تستطيع أن تعيش كمتحف لذاكرة منقوصة. لا يمكننا أن نتمسك بالماضي فقط لأن الحاضر قاسٍ والمستقبل مجهول. إذا قام مكان “طوكيو” برج جديد أو مشروع سكني أو مبنى آخر، فسيكون ذلك، شئنا أم أبينا، جزءاً من فصل جديد في المدينة. قد لا يعجبنا. قد يغضبنا. قد نشعر أنه يمحو شيئاً عزيزاً. لكن ليس كل تغيير خيانة للذاكرة.
مشكلة بيروت ليست أنها تتغير. المشكلة أنها غالباً ما تتغير بلا رحمة، بلا جمال، وبلا احترام للذاكرة العاطفية للناس. المطلوب ليس أن نجمّد المدينة في صورة قديمة، بل أن نسمح لها بأن تتقدم من دون أن تمحو كل ما جعلها ذات معنى. نحتاج إلى مستقبل لا يقوم على النسيان، وإلى عمران لا يتعامل مع الذاكرة كعائق يجب إزالته بالجرافات.
هدم “طوكيو” هذا الصباح ذكّرني بأن بيروت تعيش دائماً في مفاوضة صعبة مع أشباحها. بعضها أشباح حرب وسياسة، وبعضها أشباح مبانٍ وأماكن، وبعضها مجرد مطاعم لم ندخلها يوماً لكنها بقيت تسكننا من بعيد. اليوم، اختفى واحد من تلك الأشباح في الغبار. ومع ذلك، ربما تكون وظيفة الذاكرة ألا تمنعنا من التقدم، بل أن تجعلنا نبني ما يأتي بعد ذلك بقليل من الحنان.

