ماذا يعلّمنا «ميسي» عن الأحزاب اللبنانية؟
ماذا يعلّمنا «ميسي» عن الأحزاب اللبنانية؟
القائد الحقيقي لا يخشى أن يبرز من هم حوله. لا يقلق إذا أصبح زميله نجماً. لا يحتكر ركلات الجزاء، ولا كل الأدوار، ولا كل الأضواء.
ليونيل ميسي لا يعلّمنا كرة القدم فقط، بل يعلّمنا معنى القيادة.
سرّ عظمته لا يكمن في عدد أهدافه أو كراته الذهبية، بل في أنّه جعل المنتخب الأرجنتيني أفضل بوجوده. كان يستطيع أن يحتكر المجد، لكنه اختار أن يوزعه. يمرر حين تكون التمريرة أفضل، ويمنح زملاءه الثقة، ويجعل كل لاعب يشعر بأنّه شريك في الانتصار، لا مجرد شاهد عليه. لهذا يقاتل اللاعبون من أجله، ولهذا يحبه ملايين الناس، حتى ممن لا يشجعون الأرجنتين.
لكن الدرس الحقيقي يبدأ خارج الملعب. ففي لبنان، وربما في كثير من الأمكنة الأخرى، تكاد معظم أحزابنا تقوم على فكرة معاكسة تماماً. ليست أحزاباً تُبنى حول المؤسسة، بل حول الفرد. ليست عملاً جماعياً، بل امتداداً لشخص واحد.
ما هي حركة أمل من دون نبيه بري؟ بالنسبة لكثيرين، نبيه بري هو حركة أمل، وحركة أمل هي نبيه بري. وما هو الحزب التقدمي الاشتراكي من دون آل جنبلاط؟ وهل يتخيّل أحد أن القرارات المفصلية فيه تُصاغ عبر نقاش ديمقراطي واسع مع القاعدة الحزبية، أم أنّ الكلمة الأخيرة تبقى للبِك وابن البِك؟
والمشهد لا يقتصر على هذين الحزبين. إنّه جزء من الثقافة السياسية اللبنانية. الزعيم هو الحزب، والحزب هو الزعيم. صورته أكبر من المؤسسة، وصوته أعلى من كل الأصوات، فيما تتحول الكوادر إلى إداريين تنفيذيين، لا شركاء في القرار.
لهذا السبب، عندما يغيب الزعيم، ترتبك المؤسسة. وعندما يضعف، يضعف الحزب معه. لأنّ البناء لم يكن قائماً على فريق، بل على شخص. ما الشيء المفيد الذي قام به الحزب السوري القومي الاجتماعي بعد وفاة مؤسسه؟ تقريباً لا شيء. ما الشيء المهم الذي يمكن أن يصنعه أي «مردي» إن لم يكن من آل فرنجية؟ حتماً لا شيء.
أما القيادة التي يقدمها ميسي، فتقول العكس تماماً. القائد الحقيقي لا يخشى أن يبرز من هم حوله. لا يقلق إذا أصبح زميله نجماً. لا يحتكر ركلات الجزاء، ولا كل الأدوار، ولا كل الأضواء. يعرف أنّ نجاح الفريق هو نجاحه، وأنّ القائد الذي يصنع قادة يبقى أثره أطول من القائد الذي يصنع أتباعاً.
ولهذا، عندما يتعرض ميسي لعرقلة، يهب عشرة لاعبين للدفاع عنه. ليس لأنّه أفضل لاعب في العالم فقط، بل لأنّهم يشعرون أنّه لم يستغلهم يوماً لصناعة مجده الشخصي. لقد منحهم الثقة، فمنحوه الولاء.
وهذا ما تفتقده السياسة اللبنانية. نحن ننتج زعامات أكثر مما ننتج مؤسسات، ونربي جمهوراً أكثر مما نبني قيادات. نخشى المنافسة داخل الحزب أكثر مما نخشى الخصم خارجه. وكلما لمع اسم جديد، بدأ العمل على إضعافه، لا على دعمه، وكأنّ نجاحه ينتقص من مكانة الزعيم.
وفي الدول الديمقراطية الراسخة، تُقاس قوة الحزب بقدرته على إنتاج قيادات متعاقبة، لا بقدرته على التمسك بشخص واحد لعقود. أما عندنا، فكثير من الأحزاب تبدو عاجزة عن تخيل نفسها من دون زعيمها، وكأن وجود المؤسسة مرتبط بوجود الفرد.
ربما لهذا السبب أصبح ميسي محبوباً في كل أنحاء العالم. فالناس لا تعشق الموهبة وحدها، بل تعشق التواضع عندما يرافق الموهبة، والقيادة عندما تتحول إلى خدمة، لا إلى سلطة، وإلى شراكة، لا إلى احتكار.
هذا هو الدرس الذي يقدمه ميسي. أن تكون القائد لا يعني أن تسجل كل الأهداف، بل أن تجعل الآخرين قادرين على التسجيل. لا يعني أن تكون أكبر من فريقك، بل أن تجعل فريقك أكبر منك.

