حمد بن خليفة والدرس القطري
حمد بن خليفة والدرس القطري
في كتب العلاقات الدولية، لا تُقاس القوة بعدد السكان وحده، ولا بمساحة الأرض، ولا حتى بحجم الجيش. تقاس أيضاً بالقدرة على التأثير، وعلى جعل الآخرين بحاجة إليك..
برحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا يرحل أمير قطري سابق فحسب، بل يرحل أحد أبرز صنّاع التحوّل في الخليج خلال العقود الثلاثة الأخيرة. فمنذ توليه الحكم عام 1995، لم تتغير قطر اقتصادياً فقط، بل تغيرت فكرتها عن نفسها: من دولة صغيرة على هامش الإقليم إلى لاعب يصعب تجاوز اسمه في ملفات المنطقة، وحتى العالم.
إنها تجربة تتجاوز الرجل نفسه، لأنها أعادت تعريف مكانة قطر في النظام الدولي. ففي كتب العلاقات الدولية، لا تُقاس القوة بعدد السكان وحده، ولا بمساحة الأرض، ولا حتى بحجم الجيش. تقاس أيضاً بالقدرة على التأثير، وعلى جعل الآخرين بحاجة إليك. وهذا ما نجحت قطر في بنائه، بصبر، ورؤية، واستثمار طويل الأمد.
عندما تولى الشيخ حمد الحكم، كانت قطر دولة غنية بالغاز، لكنها لم تكن لاعباً إقليمياً من الصف الأول. وخلال أقل من عقدين، أصبحت اسماً حاضراً في معظم ملفات الشرق الأوسط، من فلسطين إلى لبنان، ومن السودان إلى ليبيا، ومن أفغانستان إلى سوريا، وصولاً إلى الوساطات بين الولايات المتحدة وإيران. لم تنتظر أن يمنحها العالم دوراً، بل صنعت هذا الدور بنفسها.
في العلاقات الدولية، هناك دول كبيرة بحجمها لكنها محدودة التأثير، وهناك دول صغيرة بحجمها لكنها كبيرة بحضورها. وقطر اختارت منذ سنوات أن تنتمي إلى الفئة الثانية. هي دولة نادرة في هذا العالم، دولة اختارت أن تجعل من التناقضات والدبلوماسية سلاحها الأساسي.
سياسة الدوحة تبدو أحياناً متناقضة لمن ينظر إليها من الخارج، لكنها تقوم على فلسفة واضحة: الاحتفاظ بخيوط التواصل مع الجميع. فهي حليف استراتيجي للولايات المتحدة، وتستضيف أكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على علاقات متينة مع إيران. تفاوض إسرائيل في ملفات الأسرى والتهدئة، بينما تستضيف قيادات من حركة حماس وتقدم دعماً سياسياً وإنسانياً ودبلوماسياً للفلسطينيين. فتحت أبوابها لمفاوضات "طالبان" مع الأميركيين، وتتحرك في الوساطات بين طهران وواشنطن، كما تحضر في ملفات السودان ولبنان وسوريا والعراق واليمن وغيرها.
هذا الموقع لم يكن بلا ثمن. فقد دخلت قطر في أزمة سياسية حادة مع عدد من جيرانها خلال الحصار الخليجي بين عامي 2017 و2021 بسبب خلافات حول خياراتها الإقليمية. كما تعرضت لعمليات إسرائيلية استهدفت شخصيات من "حماس" على أراضيها، وشهدت قواعد تستضيف قوات أميركية فيها ضربات إيرانية خلال المواجهات الأخيرة بين طهران وواشنطن. ومع ذلك، لم تنكفئ، بل بدا أن هذه الأحداث عززت مكانتها كوسيط يحتفظ بقنوات اتصال مع جميع الأطراف.
المفارقة أن دولة التي لا تملك جيشاً ضخماً، بنت نفوذها بأدوات أخرى. الإعلام كان إحدى هذه الأدوات، عبر قناة الجزيرة التي تحولت إلى واحدة من أكثر المؤسسات الإعلامية تأثيراً في العالم العربي، وغيرت وجه الإعلام السياسي منذ نهاية التسعينيات. فيما الدبلوماسية كانت أداة ثانية، والاقتصاد أداة ثالثة، والاستثمار العالمي أداة رابعة.
فالصندوق السيادي القطري أصبح شريكاً في كبريات الشركات العالمية، واستثمر في بنوك وعقارات وموانئ ومطارات وشركات طاقة وتكنولوجيا حول العالم. كما جعلت قطر من الرياضة وسيلة لبناء النفوذ الدولي، من تنظيم كأس العالم 2022 إلى الاستثمار في الأندية الأوروبية ورعاية البطولات العالمية. ولم تكن هذه الاستثمارات مجرد مشاريع اقتصادية، بل جزءاً من استراتيجية لصناعة الاسم والحضور والتأثير.
كما بنت الدوحة تحالفاً استراتيجياً متيناً مع تركيا، ووسعت حضورها السياسي والاقتصادي أبعد من الشرق الأوسط، ووصلت أنامل قطر إلى البلقان والقوقاز وأوروبا، حتى أصبحت رقماً ثابتاً في معظم ملفات الشرق الأوسط وآسيا، سواء اتفق معها الآخرون أم اختلفوا معها.
ولعل أهم ما يميز التجربة القطرية أنها لم تتوقف عند شخص الشيخ حمد بن خليفة. فعندما صعد نجله الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى الحكم عام 2013، اعتقد كثيرون أن الدور القطري سيتراجع، أو أن الدولة ستكتفي بإدارة ثروتها بعيداً عن السياسة. لكن الذي حدث كان العكس.
فقد حافظ الأمير تميم على الأسس التي أرساها والده، وأضاف إليها أسلوباً أكثر هدوءاً وانضباطاً. واجه أزمة الحصار الخليجي وخرج منها دون أن تتراجع مكانة بلاده، ورسخ دورها كوسيط دولي في ملفات معقدة، من الانسحاب الأميركي من أفغانستان إلى الحرب في غزة، ومن المفاوضات بين واشنطن وطهران إلى أزمات المنطقة المتلاحقة. ومع مرور السنوات، باتت الدوحة محطة دائمة وثابتة لكل من يبحث عن قناة حوار عندما تنقطع قنوات الاتصال الأخرى وتبدأ القذائف بالانهمار على المدن.
قد يختلف كثيرون مع بعض خيارات قطر، أو مع رهاناتها على بعض القوى السياسية الإسلامية، أو مع طريقة إدارتها لبعض الملفات. وهذا نقاش مشروع. لكن من الصعب إنكار حقيقة أساسية: قطر نجحت في فرض نفسها لاعباً دولياً يتجاوز بكثير وزنها الديموغرافي والجغرافي والعسكري.
وربما يكون هذا هو الإرث الأبرز الذي يتركه الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. لقد ورث دولة صغيرة، لكنه ساهم في تحويلها إلى دولة لا يستطيع العالم تجاهلها، ثم سلم هذا المشروع إلى جيل جديد حافظ على الاتجاه نفسه وطوره. وفي عالم تتغير فيه موازين القوة باستمرار، تقدم قطر درساً واضحاً: ليست الجغرافيا وحدها من يصنع المكانة، بل حسن إدارة الجغرافيا، واستثمار الثروة، وبناء العلاقات، وتحويل الوساطة إلى مصدر قوة.
إنها قصة دولة أدركت مبكراً أن القوة ليست دائماً في عدد الدبابات، بل قد تكون في القدرة على أن يجلس الخصوم جميعاً إلى طاولة واحدة... وأن تكون أنت المضيف.

