حرب تلوح بين العراق وسوريا

حرب تلوح بين العراق وسوريا

  • ١٦ آب ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

المواجهة مع الفصائل العراقية لا تعني بالضرورة مواجهة الحكومة العراقية، التي لا تريد أن تتحول أراضيها إلى منصة لعمليات إقليمية.

ads

بينما تنشغل الأنظار بالتصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، تتجه الأنظار بهدوء نحو الحدود السورية العراقية، حيث شهدت الأيام الأخيرة تعزيزات عسكرية سورية متواصلة وانتشاراً إضافياً للقوات على طول الشريط الحدودي.

 هذه التحركات تفتح الباب أمام احتمالين، إما أنّ دمشق تستعد فعلاً لمواجهة مع الفصائل العراقية المسلحة، أو أنّها تستخدم الحشود العسكرية لهزّ العصا وإيصال رسالة واضحة بأنّ استمرار هذه الفصائل في التصعيد ضد السعودية قد يدفع سوريا إلى فتح جبهة جديدة ضدها.

لفهم ما يحصل على الحدود، لا بدّ أولاً من النظر إلى العلاقة بين الحوثيين في اليمن والفصائل العراقية الموالية لإيران. فهذه القوى، رغم وجودها في ساحات مختلفة، تتحرك ضمن محور إقليمي واحد وتربط بينها قنوات تنسيق وتعاون عسكري ولوجستي. وخلال مراحل التصعيد مع السعودية، لم يقتصر الضغط على المملكة على الجبهة اليمنية، بل دخلت فصائل عراقية على الخط ونفذت عمليات استهدفت المملكة، ما جعل الرياض تنظر إلى الساحتين اليمنية والعراقية باعتبارهما جزءاً من تهديد مترابط، وليس جبهتين منفصلتين بالكامل.

وبحسب مصدر دبلوماسي خليجي، فإنّ المملكة العربية السعودية تنظر بقلق بالغ إلى هذا الترابط، خصوصاً مع استمرار خطر الحوثيين ووجود فصائل عراقية قادرة على التحرك خارج القرار الرسمي العراقي. ويرى المصدر أنّ الرياض باتت تعتبر أنّ الرد لا يجب أن يقتصر على الدفاع الجوي أو الضربات المحدودة، بل يمكن أن يمر عبر التلويح بفتح جبهة جديدة تستنزف هذه الفصائل وتدفعها إلى إعادة حساباتها. وهنا تظهر سوريا بقيادة أحمد الشرع باعتبارها الطرف الأكثر قدرة على ممارسة هذا الضغط من خلال حدود برية طويلة مع العراق.

ويضيف المصدر أنّ المملكة مستعدة لتقديم دعم مالي وسياسي كبير لدمشق إذا قررت الدخول في مواجهة مع الفصائل العراقية المرتبطة بإيران. وتدرك القيادة السورية أهمية هذا العامل، خصوصاً أنّ البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية صعبة تزداد سوءاً مع مرور الوقت، وأنّ الخزينة السورية بحاجة ماسة إلى الأموال والاستثمارات والمساعدات الخارجية. لذلك، فإنّ أي عرض خليجي يتضمن دعماً مالياً واسعاً قد يشكل حافزاً مهماً لاتخاذ قرارات كانت حتى وقت قريب تبدو مستبعدة.

لكن الحديث عن مواجهة مع الفصائل العراقية لا يعني بالضرورة مواجهة مع الحكومة العراقية نفسها. فبغداد لديها بدورها مشكلة مع عدد من هذه الفصائل، والحكومة العراقية لا ترغب في أن تتحول أراضيها إلى منصة لعمليات إقليمية تضع الدولة في مواجهة مع دول أخرى. إلا أنّ المشكلة تكمن في أنّ قدرة الحكومة على ضبط هذه الفصائل وفرض قرارها عليها تبقى محدودة، ما يجعلها في موقع معقد، فهي من جهة لا تريد التصعيد، ومن جهة أخرى لا تملك دائماً القدرة الفعلية على منع القوى المسلحة من اتخاذ قراراتها بشكل مستقل.

وهنا يمكن فهم الحشود السورية على الحدود بطريقة مختلفة. فإذا كانت دمشق لا تريد الحرب فعلاً، فإنّ مجرد إظهار الاستعداد لها قد يكون كافياً لإيصال الرسالة المطلوبة إلى الفصائل العراقية. ومضمون هذه الرسالة بسيط، الجلوس بهدوء وعدم الانخراط في تصعيد جديد ضد السعودية أفضل من دفع دمشق إلى التحرك وفتح جبهة غربية على هذه الفصائل. أما إذا فشل الضغط واستمرت العمليات، فقد تتحول القوات الموجودة اليوم على الحدود من وسيلة ردع إلى قوة جاهزة للمواجهة.

وفي السياق نفسه، كشف مصدر استخباراتي غربي أنّ إسرائيل، التي كانت تعارض في السابق أي انتشار عسكري سوري باتجاه لبنان خشية انعكاس ذلك على أمن حدودها الشمالية، لا ترى اليوم أي مشكلة في اندلاع مواجهة على الحدود السورية العراقية، لأنّ هذه الحرب ستكون بعيدة عن حدودها المباشرة، وستدور في ساحة تعتبرها أقل حساسية بالنسبة لأمنها القومي مقارنة بالجبهة اللبنانية أو السورية الجنوبية.

لذلك، فإنّ ما يجري على الحدود قد يكون في هذه المرحلة أقرب إلى لعبة ضغط وردع منه إلى قرار نهائي بالحرب. دمشق تحشد، والرسالة موجهة بالدرجة الأولى إلى الفصائل العراقية وليس إلى بغداد. إما أن تخفف هذه الفصائل تحركاتها ضد السعودية وتعيد حساباتها، وإما أن يصبح احتمال فتح جبهة جديدة ضدها أكثر جدية. أما الحكومة العراقية، فقد تجد نفسها في النهاية أمام أزمة لم تختَرها، بسبب فصائل تعارض بعض تحركاتها ولكنها لا تملك حتى الآن القدرة الكاملة على ضبطها.

ads