علي الطاهر.. سقطت الأسطورة وسقطت الصخرة

علي الطاهر.. سقطت الأسطورة وسقطت الصخرة

  • ١١ أيلول ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

لا تعرف القداسة السياسية. هي تختبر الوقائع لا الروايات. وعند لحظة الاختبار، يتبيّن سريعاً كم من القوة كان حقيقياً، وكم منها كان صناعة إعلامية ونفسية.

لم يكن تفجير مرتفعات علي الطاهر في الجنوب مجرد عملية عسكرية أخرى تُضاف إلى سجل الحرب. 

إنّما كان، في رمزيته، تفجيراً لشيء أكبر من الصخور: تفجيراً لجزء من أسطورة عمرها نحو أربعة عقود، عاشت عليها منظومة كاملة من الشعارات والبطولات المصطنعة والحكايات التي صُدّرت لجمهور بوصفها حقائق لا تقبل النقاش.

وحين دوّت الانفجارات في علي الطاهر واهتزت الأرض هزة صغيرة، بدا المشهد كأنّه خاتمة ساخرة لفصل طويل من الأساطير. أسطورة الملائكة التي تقاتل مع أفراد حزب الله، وأساطير المعجزات، والملاك الراكب على الحصان الأبيض، وخطاب أنّهم محور الكون وأنّ العالم كله يتآمر عليهم لأنّهم قوة لا تُقهر. كل ذلك اصطدم في النهاية بحقيقة بسيطة جداً: الجبال لا تحارب، والشعارات لا تصنع توازن ردع، والأساطير لا توقف جيشاً منظماً حين تتغيّر موازين القوة.
المشكلة لم تكن في أنّ الحزب خسر موقعاً. 

المواقع العسكرية تُخلى وتُستعاد وتُفقد في الحروب. المشكلة أنّ علي الطاهر كان جزءاً من صورة أكبر جرى بناؤها على مدى سنوات طويلة: صورة القوة التي لا تُهزم، والقيادة التي تعرف كل شيء، والجمهور الذي لا يخطئ، والسردية التي لا يمكن أن تكون خاطئة لأنّها، ببساطة، سردية المقاومة.

لكن الحرب لا تعرف القداسة السياسية. هي تختبر الوقائع لا الروايات. وعندما تأتي لحظة الاختبار، يتبيّن سريعاً كم من القوة كان حقيقياً، وكم منها كان صناعة إعلامية ونفسية.

لهذا لم يكن سقوط علي الطاهر مفاجئاً لمن كان يقرأ تطورات المنطقة بعيداً عن لغة التقديس. المفاجئة الحقيقية كانت في حجم الفجوة بين ما قيل لجمهور المقاومة طوال عقود وبين ما أظهرته الوقائع على الأرض. 
فحين تُقدَّم مجموعة مسلحة 

باعتبارها قوة استثنائية لا يمكن كسرها، يصبح كل تراجع لها صدمة. أما حين تُقرأ الأمور بمنطق عسكري وسياسي طبيعي، فإنّ النتيجة تصبح أقل غرابة بكثير.

على الضفة الأخرى، وقبل يوم واحد فقط، كان بنيامين نتنياهو يقف على هضبة جبل الشيخ السورية، في مشهد يحمل رسالة سياسية وعسكرية واضحة، ويقول: «هذه دمشق تحت أقدامنا، والمتوسط تحت عيوننا، ولبنان تحت مرمى نيراننا»، مضيفاً أنّ إسرائيل باتت قاب قوسين أو أدنى من نزع سلاح الحزب وإسقاط نظام طهران، وأنّه «لن يقف أمامنا أحد»، وأنّ إسرائيل لن تسمح بوجود «أي جيش إرهابي» على حدودها.

قد تبدو هذه اللغة غروراً إسرائيلياً، وهي كذلك في جزء منها. لكن المشكلة أنّ الطرف المقابل ارتكب، طوال سنوات، الخطأ نفسه بصورة معاكسة: بالغ في تقدير قوته، واستخف بخصومه، وحوّل السياسة إلى عقيدة، والعقيدة إلى يقين، واليقين إلى أسطورة.

نتنياهو يقف فوق جبل الشيخ ويتحدث بلغة المنتصر الذي يرى سوريا ولبنان والمتوسط تحت عينيه. وفي اليوم التالي، يجري تفجير علي الطاهر بعد تلغيمه. وبين المشهدين تختصر المسافة بين الوهم والواقع.
ليست المسألة أنّ إسرائيل لا تُهزم، ولا أنّ حزب الله «لا شي» بالمعنى الحرفي. 

فهذا تبسيط لا يقل سذاجة عن الأسطورة التي يُراد هدمها. المسألة أنّ الحزب، كما أي قوة عسكرية وسياسية، قابل للخطأ والهزيمة والاستنزاف، وقيادته ليست معصومة، وتقديراته ليست وحياً، وجمهوره ليس كتلة تعرف الحقيقة دائماً، وسردياته ليست بديلاً عن ميزان القوى.

لقد أمضى الحزب عقوداً في إقناع جمهوره بأنّ قوته استثنائية إلى درجة تجعل مجرد التفكير في هزيمته ضرباً من الخيال. ثم جاءت الوقائع لتقول إنّ لا أحد محصّن من الحسابات الخاطئة، ولا أحد أكبر من الجغرافيا والتكنولوجيا والاستخبارات والقرار السياسي وموازين القوى الإقليمية والدولية.

وعلي الطاهر، في هذا المعنى، ليس مجرد مرتفع جرى تفجيره.

إنّه مشهد رمزي لانفجار صورة كاملة. صورة المقاتل الذي ضحى بحياته هباءً، وصورة القيادي «الحزب إلهي» التائه، وصورة المجتمع الشيعي المدمّر، وصورة الجمهور الذي لا يُهزم لأنّه مؤمن و «على حق»، وصورة القوة التي تحوّلت، بفعل التكرار، إلى أسطورة أكبر من قدرتها الفعلية.

ربما كانت الهزة الأرضية الصغيرة التي رافقت تفجير علي الطاهر مجرد نتيجة طبيعية للانفجار. لكن الهزة السياسية والنفسية التي أحدثها المشهد أكبر بكثير. هزة لم تصِب صخور المرتفع وحدها، بل أصابت أيضاً جداراً تراكمت عليه، طوال أربعين عاماً، طبقات من الشعارات واليقينيات والبطولات والروايات والخرافات التي صدقها جمهور الحزب.

في النهاية، الإيمان والعقيدة لا تفيد وحدها في المعركة. هناك جنود، وصواريخ، وطائرات، واستخبارات، وقرارات، وأخطاء، وحسابات، وموازين قوى. هناك إسرائيل القوية وهناك خصومها الضعفاء.