حرب عالمية ثالثة لا يتحدث عنها أحد

حرب عالمية ثالثة لا يتحدث عنها أحد

  • ١١ أيلول ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

العالم لا يدخل الحروب الكبرى دائماً بقرار واضح. أحياناً يبدأ الأمر بضربة محدودة، ثم تتحرك التحالفات، وتفتح الجبهات واحدة بعد أخرى.

ترتفع حدة التوتر بين إسرائيل وتركيا، وتتجه الأنظار إلى المواجهة المحتملة بين الدولتين باعتبارها الحرب الكبرى المقبلة في المنطقة. لكن خلف هذا الصراع الظاهر، تتشكل صورة أخطر بكثير. 
فالمواجهة لن تكون، إذا اندلعت، حرباً محدودة بين أنقرة وتل أبيب، بل صداماً بين تحالفين يمتدان من البحر المتوسط إلى المحيط الهندي.
تركيا لم تعد تتحرك وحدها. 

فالتحالف الذي أقامته مع المملكة العربية السعودية وباكستان بدأ يرسم محوراً إقليمياً جديداً يمتلك المال والقوة العسكرية والموقع الجغرافي. وإذا انضمت سوريا بالكامل إلى هذا المحور، فسيصبح ممتداً من جنوب آسيا إلى شرق المتوسط، وسيضع إسرائيل وحلفاءها أمام كتلة سياسية وعسكرية لا يمكن تجاهلها.

خطورة الاتفاق بين السعودية وتركيا وباكستان ظهرت في الهند، حيث ارتفعت أصوات عدد من الجنرالات المتقاعدين لمهاجمته والتحذير من تداعياته على أمن بلادهم. وعلى الرغم من أنّ هذه المواقف لا تمثل إعلاناً رسمياً صادراً عن قيادة الجيش الهندي، فإنّها تعكس القلق داخل الأوساط العسكرية من ولادة محور يمنح باكستان دعماً سياسياً وعسكرياً جديداً.

فباكستان تبقى الخصم التاريخي للهند، وأي اتفاق يعزّز موقعها الإقليمي سيُقرأ في نيودلهي على أنّه تهديد مباشر. وفي المقابل، شهدت السنوات الماضية تقارباً متسارعاً بين الهند وإسرائيل، خصوصاً في المجالات العسكرية والأمنية والتكنولوجية، ما يجعل الهند أقرب إلى الوقوف إلى جانب تل أبيب إذا تحولت المواجهة الإقليمية إلى حرب واسعة.

لكن نيودلهي وتل أبيب ليستا وحدهما. الإمارات وإسرائيل أصبحتا حليفتين في مواجهة تصاعد النفوذ السعودي، فيما أقامت اليونان وقبرص اتفاقات دفاعية مع إسرائيل في ظل خلافهما المستمر مع تركيا. وهكذا، بدأت ملامح تحالف مضاد تتشكل، يضم الهند وإسرائيل والإمارات واليونان وقبرص.

في الجهة المقابلة، تقف باكستان والسعودية وتركيا وسوريا. دول تختلف في أهدافها وحساباتها، لكنها قد تجد نفسها مجتمعة أمام خصوم مشتركين. باكستان تواجه الهند، وتركيا تصطدم بإسرائيل واليونان وقبرص، بينما تتنافس السعودية مع الإمارات على النفوذ الإقليمي، وتبقى سوريا ساحة أساسية في الصراع بين أنقرة وتل أبيب.

أما مصر والأردن، فلن تنضما علناً إلى أي من المعسكرين. لكنهما، بحسب هذه المعادلة، قد تقدمان مساعدة غير معلنة إلى الجانب الإسرائيلي. فالقاهرة وعمان تنظران بقلق إلى أي محور تقوده تركيا ويمكن أن يمنح جماعة الإخوان المسلمين مساحة جديدة للحركة والتأثير. لذلك قد تختاران الحياد في العلن، مقابل التعاون الأمني والاستخباراتي مع إسرائيل وحلفائها بعيداً عن الأضواء.
مصدر استخباراتي أوروبي قال إنّ اندلاع حرب بين هذين التحالفين قد يؤدي إلى أكبر مواجهة عسكرية يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، وربما إلى عدد أكبر من الضحايا. 
فهذه الحرب لن تدور على جبهة واحدة، بل قد تمتد من الحدود الهندية الباكستانية إلى الخليج وسوريا وشرق المتوسط، وتجمع دولاً تمتلك جيوشاً ضخمة وقدرات صاروخية وأسلحة نووية.
أي اشتباك بين الهند وباكستان قد يشعل جنوب آسيا، وأي مواجهة بين إسرائيل وتركيا قد تفجر شرق المتوسط. 
أما دخول السعودية والإمارات وسوريا واليونان وقبرص على خط الحرب، فسيحول سلسلة الصراعات المنفصلة إلى حرب واحدة يصعب احتواؤها.
فهل ستقع هذه الحرب؟

حتى الآن، لا تزال المصالح الاقتصادية والخوف من الدمار الشامل يمنعان الانتقال من التحالفات إلى المواجهة. لكن العالم لا يدخل الحروب الكبرى دائماً بقرار واضح. 

أحياناً يبدأ الأمر بضربة محدودة، ثم تتحرك التحالفات، وتفتح الجبهات واحدة بعد أخرى.

الجميع يراقب التوتر بين تركيا وإسرائيل، لكن الحرب الحقيقية قد تكون أكبر بكثير. حرب عالمية ثالثة تتشكل تحالفاتها أمامنا، فيما لا يزال معظم العالم يتصرف وكأنّها غير موجودة.