عنجهية علي عمّار.. وذكوريته
عنجهية علي عمّار.. وذكوريته
القوة السياسية الحقيقية لا تحتاج إلى «تهذّبي وتأدّبي».
ليس كل ما يُقال تحت قبّة البرلمان يُسمّى سياسة، وليس كل من يرفع صوته يمارس دوره كنائب. أحياناً تكشف جملة واحدة، في لحظة سجال، عن ثقافة سياسية كاملة.
في جلسة مساءلة الحكومة، دخل النائب علي عمّار في سجال مع النائبة بولا يعقوبيان، وانتهى به الأمر إلى مخاطبتها بالقول: «تهذّبي وتأدّبي».
المشكلة هنا ليست في أن يختلف علي عمّار مع بولا يعقوبيان. من حقه أن يعترض على كلامها، ومن حقها أن تعترض على كلامه. والمشكلة ليست أيضاً في حدّة السجال، فالبرلمانات في كل العالم تعرف النقاشات الحادة والصدامات السياسية. المشكلة في طبيعة العبارة نفسها.
«تهذّبي وتأدّبي» ليست حجة سياسية، ولا رداً على موقف، ولا تفنيداً لفكرة. إنها عبارة أبوية وسلطوية، تفترض أن الرجل يملك سلطة أخلاقية أو تربوية على المرأة، وأن من حقه أن يعلّمها كيف تتكلم وكيف تتصرف.
ولو قال عمّار لنائب رجل "تهذّب وتأدّب"، لبقيت العبارة فظة ومتسلطة. لكن توجيهها إلى إمرأة تجلس معه على المقاعد نفسها، وتحمل الصفة النيابية نفسها، يكشف بوضوح أكبر عن عقلية ذكورية ترى أن الاختلاف مع المرأة يمكن أن يتحول بسهولة إلى محاولة لتأديبها.
بولا يعقوبيان ليست فوق النقد، ولا مواقفها السياسية مقدسة. يمكن الاختلاف معها في مواقف كثيرة، كما يمكن انتقاد أسلوبها وحدّة خطابها. لكن ذلك لا يعطي علي عمّار حق التعامل معها وكأنها تلميذة في صف، وهو الأستاذ الذي يملك وحده حق تحديد ما هو «الأدب» وما هي «قلة الأدب».
لكن مشكلة علي عمّار تتجاوز هذه العبارة. فالرجل اعتاد أن يتحدث عن «حزب الله» من موقع عقائدي يتجاوز حدود الحزب السياسي التقليدي. ومن أبرز ما قاله بعد حرب تموز ٢٠٠٦مثلاً هذه الجملة «الخرافية»: «حين ينتهي محمد ينتهي حزب الله، حين ينتهي عيسى ينتهي حزب الله. حين ينتهي القرآن ينتهي حزب الله. حين ينتهي الإنجيل ينتهي حزب الله. هذا الحزب ليس حزباً آدمياً بمجاز الكلمة، بل هو حزب -الله-»
هذه ليست لغة حزب سياسي طبيعي، ولا نائب طبيعي. هذه لغة أناس متعصبون ومتزمتون ورجعيون.
حين يُقدَّم حزب سياسي بهذه الطريقة، ويُربط وجوده بمحمد والمسيح والقرآن والإنجيل، يصبح الحزب في خطاب صاحبه أكثر من تنظيم سياسي وعسكري يمكن مساءلته أو الاختلاف معه. يصبح جزءاً من منظومة عقائدية يُراد لها أن تتمتع بشرعية تتجاوز السياسة نفسها، لا بل تتجاوز الأرض إلى السماوات.
وهنا تحديداً تظهر مفارقة علي عمّار. هو نائب في مجلس النواب اللبناني، أي في المؤسسة التي يفترض أن تكون مساحة للنقاش السياسي والدستوري والمساءلة الديمقراطية. وفي الوقت نفسه، هو أحد أبرز المدافعين عن «حزب الله»، المصنفة كمنظومة عسكرية وأمنية خارج عن القانون ومؤسسات الدولة، والتي أعلنت الحكومة اللبنانية في 2 آذار 2026 حظر نشاطاتها العسكرية والأمنية خارج إطار الدولة.
والمفارقة، كيف يمكن لنائب أن يتمسك بمنظومة سياسية وعقائدية تضع نفسها في موقع يتجاوز الدولة، ثم يدخل إلى مجلس النواب ويتصرف مع زميلة له وكأنه هو صاحب السلطة الأخلاقية عليها؟ بدل أن يستحي أّنّه عنصر في منظمة خارجة على القانون.
مجلس النواب ليس منبراً لإظهار من هو الأقوى. وليس مدرسة لتوزيع شهادات حسن السلوك. وليس ساحة يستطيع فيها نائب أن يتعامل مع زميله أو زميلته من موقع الوصاية.
القوة السياسية الحقيقية لا تحتاج إلى «تهذّبي وتأدّبي». من يملك الحجة يطرحها، ومن يملك موقفاً يدافع عنه، ومن يختلف مع الآخرين يناقشهم. أما رفع الصوت، وإطلاق الأوامر، وتحويل الخلاف السياسي إلى محاكمة لسلوك المرأة، فذلك ليس قوة. إنّه عنجهية وذكورية وضعف.
قد تختلف مع بولا يعقوبيان. وقد ترفض أسلوبها. وقد تعتبر بعض مواقفها خاطئة أو مستفزة. كل ذلك مشروع في السياسة. لكن لا أحد يحتاج إلى أن يكون مؤيداً لبولا يعقوبيان كي يقول لعلي عمّار: ليست مهمتك أن تؤدّبها. مهمتك أن تناقشها. وأنت، على جميع الأحوال، في حزب خارج عن القانون، فتأدب.

