دروس نواف سلام النيوركية

دروس نواف سلام النيوركية

  • ٢٧ أيلول ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

في السياسة، ليست كل الخطب متساوية. بعضها يمرّ مع المناسبة، وبعضها يتجاوزها ليقول شيئاً عن الدولة وموقعها وما تريده من نفسها ومن الآخرين.

لقد كان خطاب رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك من هذا النوع: لم يذهب لتعداد مشكلات لبنان، إنّما ذهب ليقول إنّ لبنان يريد استعادة دولته، وثقته بنفسه، وقراره وسيادته على أرضه. ولخّص ذلك بعبارة واحدة: «ثقة تُبنى، وقرار يُستعاد، وأرض تُحرَّر. تلك هي معادلة النهوض بلبنان».

من هنا تحديداً يبدأ الدرس الأول: الدولة اللبنانية يجب أن تكون سيدة نفسها. لم يتحدث سلام عن لبنان بوصفه بلداً ينتظر الآخرين كي يقرروا مصيره، بل بوصفه دولة تستعيد حقّها في الكلام والقرار والتفاوض. قال بوضوح: «لا أحد يتحدث باسم لبنان، ولا أحد يفاوض عنه، سوى الدولة اللبنانية من خلال مؤسساتها الدستورية».

هذه ليست جملة بروتوكولية، بل تعريف لفكرة الدولة. فالدولة لا تكون دولة إذا كان هناك من يتحدث باسمها أو يفاوض عنها خارج مؤسساتها، أو يقرر الحرب والسلم من خارجها. من هذا المنطلق أضاف: «لا تكون سلطة فوق سلطة الدولة، ولا سلاح خارج قواتها المسلحة، ولا قرار بالحرب والسلم خارج مؤسساتها الدستورية».

بهذا نقل سلام النقاش من الأشخاص إلى المؤسسات، ومن موازين القوى إلى مفهوم السلطة والشرعية. وفي هذا السياق شّد على أنّ لبنان لا يقبل بأن يعود «ساحة لصراعات الآخرين، أو ورقة تفاوض في أيديهم»، مؤكداً أنّ «مستقبل لبنان لا يُقرَّر بالنيابة عنه». في جوهر الأمر، تحدث سلام عن حق لبنان في أن يكون دولة لا ساحة.

يليه درس ثانٍ مفاده أنّ السيادة ليست شعاراً. المسألة، عنده، لا تُختصر في حصر السلاح، بل تشمل الدولة والمواطن والأرض. جمع سلام التحديات في ثلاثية واضحة: استعادة ثقة اللبنانيين، واستعادة القرار الوطني، واستعادة الأرض.

والأهم أنّه لم يفصل بين الدولة والمواطن. فاستعادة الثقة، حسب ما جاء في خطابه، تكون «بالمؤسسات التي تحمي الحقوق، وبالقضاء الذي يضمن العدالة، وباقتصاد يعيد إلى الناس الإزدهار، وإلى الشباب فرصهم بمستقبل أفضل». وهنا تصبح الدولة أكثر من جيش وسلاح وحدود... تصبح قضاء واقتصاداً وإدارة وعدالة وثقة.

ويضاف إلى ذلك درس ثالث: لبنان مسؤول، والعالم مسؤول أيضاً. لم يذهب سلام إلى نيويورك ليطلب من العالم أن يحل مشكلات لبنان، كما لم يتصرّف وكأنّ لبنان يستطيع وحده معالجة كل شيء. وضع المسؤوليتين جنباً إلى جنب: لبنان يتحمل مسؤوليته في الإصلاح وبسط سلطة الدولة، والمجتمع الدولي يتحمل بدوره مسؤوليته في احترام سيادة لبنان وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية.

وثمّة درس آخر يتصل بأسلوب سلام نفسه: دبلوماسيته واضحة، وعباراته حادة في مضمونها، لكنها بقيت داخل لغة المؤسسات والقانون الدولي والدستور. هنا يظهر الفرق بين الخطاب العالي النبرة والخطاب العالي السقف: الأول يرفع الصوت، والثاني يرفع مستوى الفكرة. سلام اختار الثاني.

واللافت أنّه، وهو يتحدث عن الدولة والسلاح والقرار، لم ينسَ الأرض. تحدث عن الإنسحاب الإسرائيلي، والحدود الدولية، والقرار الدولي ١٧٠١، وعودة اللبنانيين إلى قراهم وإعادة إعمار ما دمرته الحرب. وأكّد أنّ استعادة الأرض «لا تعني انسحاب قوات الاحتلال منها فحسب، بل تعني أيضاً عودة أهلها إليها، وعودة الحياة إلى قراهم وبلداتهم». بذلك تصبح السيادة شيئاً ملموساً: بيت يعود إليه صاحبه، وقرية تعود إليها الحياة، ودولة تستطيع حماية سكانها.

وفي نيويورك، لم يتحدث سلام بلغة من يكتشف المؤسسات الدولية، بل من يعرف كيف يخاطبها: يستند إلى الدستور والقانون الدولي حين يلزم، ويخاطب اللبنانيين والمجتمع الدولي في الوقت نفسه. جاء خطابه متدرجاً في فكرته، من الثقة إلى الدولة والقرار، ومن السلاح والحرب والسلم إلى الأرض ومسؤولية المجتمع الدولي.

تكمن قيمة خطاب سلام في أنّه جعل لبنان يتحدث عن نفسه، لا أن يتحدث أحد عنه كما درجت العادة. فطالما كان لبنان موضوعاً في خطابات الآخرين، غير أنّه اليوم، بعهدة سلام، بات يتحدث بصوته، ويعبّر عن مصالحه، ويطالب بحقه في أن يقرر مستقبله بنفسه.

لم يقُل سلام إنّ لبنان منفصل عن محيطه، بل أقر بأنّه يتأثر بما يجري حوله، لكنه رفض أن يكون هذا التأثر مبرراً لفقدان القرار. أن تكون دولة صغيرة لا يعني أن تكون بلا إرادة، وأن تكون محاطاً بالأزمات لا يعني أن تتخلى عن حقك في تحديد موقعك منها.

وفي بلد اعتاد طويلاً أن يكون ساحة لصراعات الآخرين، ربما تكون الخطوة الأهم نحو الدولة هي أن يبدأ لبنان بالكلام بصوته هو. وهذا، في النهاية، كان درس نواف سلام الأهم في نيويورك: إنّ الدولة تبدأ عندما تستعيد حقها في أن تقول «نحن»، بدل أن يظل الآخرون يتكلمون نيابة عنها.